ثمة لحظة كاشفة في تاريخ الأمم، لا تختبر فيها قوة الأنظمة بقدر ما تكشف معدن الشعوب….
لحظة يظهر فيها الفرق بين معارضة ترى في الدولة بيتا مختَلَفا على طريقة ترتيبه، وبين معارضة ترى في الوطن غنيمة قابلة للحرق.
حين تشتد الأزمة في إيران، وحين تتصاعد الاحتجاجات ضد النظام، ثم يخرج تصريح داعم من عدو خارجي، أو تقع ضربة إسرائيلية، نشهد مشهدا لافتا: معارضون شرسون، ومثقفون ناقدون، وطلاب غاضبون، يلتفون – لا حول نظام ولاية الفقيه – بل حول الدولة الإيرانية..
يتوقف الصراخ الداخلي لحظة، لا حُبّآ في السلطة، بل صيانة لفكرة الوطن.
هذا السلوك ليس فضيلة إيرانية، بل قاعدة تاريخية عرفتها أمم كثيرة…
-فرنسا، في عز الانقسام بعد الثورة، وحين زحفت جيوش أوروبا لإسقاطها،
التفّ اليعاقبة والملكيون حول باريس.
-وبريطانيا، في زمن تشرشل، كانت تعج بالمعارضة العمالية والليبرالية، لكن حين قصفت لندن، لم يخرج صوت واحد يطالب هتلر بإكمال المهمة.
-حتى في أمريكا نفسها، خلال الحرب الأهلية، ظل مبدأ “الاتحاد أولا” خطًا أحمر، رغم الدم والانقسام.
قال الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو:
“الوطن ليس النظام الذي نلعنه، بل الأرض التي لا نقبل أن تُدنّس.”
في المقابل، حين ننظر إلى المشهد العربي خلال العقد الأخير، نشعر بالخجل لا من الهزيمة، بل من انهيار البوصلة الأخلاقية…
شعوب، أو قطاعات واسعة منها، لم تكتفِ بمعارضة أنظمتها، بل ذهبت تستجدي الطائرات الأجنبية، وتفتح الأجواء للقاذفات، وتصفق لكل صاروخ يسقط على مدينة عربية بحجة إسقاط الطغيان…
الأكثر فداحة أن هذه الشعوب نفسها، لو أن قادتها – بعد الخراب – وقعوا سلامًا مع إسرائيل، لشتموهم واتهموهم بالخيانة….
أي منطق هذا؟
تستدعي الناتو، وتبارك التدخل الأمريكي، وتحتفي بالضربات الإسرائيلية، ثم ترفع راية “التحرير” و”الكرامة” بعد أن يصبح الوطن ركامًا !
كتب ابن خلدون قبل قرون:
“إذا استحكمت الهزيمة في النفوس، قبلت الأمة بالذل، ولو جاءها في صورة خلاص.”
ما جرى في كثير من بلدان ما سُمّي بالربيع العربي لم يكن فقط نتيجة مؤامرات خارجية، بل نتيجة استعداد داخلي للارتهان….
العمالة لم تُفرض بالقوة، بل زُيّنت بشعارات براقة: الديمقراطية بالقصف، والحرية بالدبابات، والكرامة من أفواه الجنرالات الأجانب.
وهنا لا يكون السؤال: لماذا تدخل الخارج؟
بل: لماذا فُتح له الباب؟
الفارق بين شعوب تحافظ على حدٍّ أدنى من الغريزة الوطنية، وشعوب فقدت هذه الغريزة، هو الفارق بين أمة تختلف داخل بيتها، وأمة تحرق البيت لتغيّر الأثاث.
ليس كل من يعارض نظامه خائنًا ….
لكن كل من يستدعي العدو ليهدم وطنه شريك في الجريمة….
وهذا ما يجعل مشهد الالتفاف – ولو المؤقت – حول الدولة عند الخطر الخارجي، معيار نضج سياسي وأخلاقي، لا علامة ولاء للنظام.
فالخلاف مع السلطة شأن داخلي …
أما الاستقواء بالعدو… فذلك إعلان إفلاس حضاري.
لقد دمّرت بعض الشعوب العربية أوطانها بأيديها، لا لأن العدو كان قويًا، بل لأن البوصلة سقطت،
وحين تسقط البوصلة، يصبح الخراب خيارًا،
ويغدو الوطن تفصيلًا يمكن التضحية به… مقابل وهم…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة