إرهاب سعودي؟!
عن أيّ إرهابٍ تتحدّثون يا بعض القوم؟
أيّ إرهابٍ هذا الذي يُقذَف به اسم المملكة العربية السعودية بهذه الخفّة المُريبة، وبهذه الدناءة غير المُستغربة، وفي هذا التوقيت بالذات، كأن الذاكرة تُمحى بعبارة، وكأن التاريخ يُعاد ترتيبه بتغريدة، وكأن الدم الذي سُفك على هذه الأرض لم يكن يوما دما حقيقيا له أسماء ووجوه وتواريخ….؟!
هنا لا نقف لنُبرّر، ولا لنتلعثم تحت وطأة الاتهام والترهيب، بل نقف كما يليق بأبناء الجزيرة العربية، لنقول ما يجب قوله بلا مواربة، وبثقة لا تستجدي الإذن، وبعزّة لا تعرف لغة الاعتذار….
فالسعودية ليست دولة طارئة على الجغرافيا، ولا كيانا هشّا في معادلات الإقليم، ولا تلميذًا يتلقّى دروس السيادة من خارج تاريخه، بل دولة تشكّلت قبل السياسة الحديثة، وحملت معنى الاستقرار والشرعية والعمق العربي قبل أن تُرسم خرائط النفوذ، وقبل أن تُستَخدم التهم سلاحًا في سوق المُناكفات.
حين تتحدّث المملكة عن الإرهاب، فهي لا تفعل ذلك من منصّات بعيدة ولا من خلف مكاتب مُكيفة، بل من تجربة مكتوبة في الذاكرة الوطنية…
السعودية لم تتعرّف إلى الإرهاب بوصفه مفهوما نظريّا، بل عرفته حين ضرب شوارعها، واستهدف مواطنيها، وحاول تمزيق نسيجها الاجتماعي باسم الدين تارة وباسم “الإصلاح” تارة أخرى.
تفجيرات الرياض عام 2003 لم تكن مجرّد خبر عاجل في نشرة أخبار، بل لحظة فاصلة أدركت فيها الدولة والمجتمع السعودي المُتديّن المُحافظ بطبعه ونشأته؛ أدركا فيها معًا أن التسييس الديني، حين يُترك دون مواجهة، يتحوّل إلى عنف أعمى لا يُميّز بين مسجد وشارع ولا بين دولة ومواطن ومتجر للبقالة.
من تلك اللحظة، لم تختر السعودية طريق الخطابة، بل طريق المواجهة الشاملة:
-مواجهة أمنية تحمي الناس
– ومواجهة فكرية تُفكّك الخطاب
-ومواجهة تعليمية تُنقّي المناهج
-ومواجهة اجتماعية تعيد بناء العلاقة بين الدين والدولة.
ولهذا، حين وضعت المملكة بعض الجماعات والتنظيمات في قوائم الإرهاب،
لم تكن تساير موجة إقليمية ولا تبحث عن غطاء سياسي، بل كانت تُغلق ملفًا اختُبر طويلًا ودُفع ثمنه من أمن المجتمع واستقراره.
بعض الجماعات والتنظيمات في الذاكرة السعودية ليسوا فكرة عائمة قابلة للتأويل، بل تجربة اختراق حقيقية حاولت أن تُنشئ ولاءات موازية داخل التعليم والمؤسسات والخطاب العام، وكان لا بد من حسمها بلا تردّد.
ولهذا أيضًا، جاءت قرارات مراجعة المناهج، وإبعاد المتعاطفين، وتجفيف منابع التأثير، قرارات علاجية جذرية لا حملات علاقات عامة….
ثم جاء بيان هيئة كبار العلماء ليضع التوصيف الشرعي الصريح حيث يجب أن يكون، دون مواربة ولا تجميل….
هنا تحديدا يتبدّى الفارق بين من يتحدّث عن الإرهاب بوصفه شعارا سياسيا، وبين من واجهه بوصفه خطرا وجوديّآ….
الفارق ليس في ارتفاع الصوت وحشد كارهي الاستقرار، بل في عُمق الذاكرة، وليس في عدد البيانات، بل في حجم التضحيات.
المملكة كانت، ولا تزال، في الصف الأول من معركة مكافحة الإرهاب، أمنيا وعسكريا وفكريا، ودَفعت أثمانا لم يدفعها كثيرون ممن يرفعون اليوم راية “مكافحة الإرهاب” بسهولة لافتة.
من لم يكتوِ بنار الإرهاب، لا يملك أخلاقيا حق المزايدة على من واجهه في الشارع والمسجد والمؤسسة، وقدّم شهداء، ثم أعاد بناء دولته من الجذور لا من السطح.
والمثير للاستغراب المشروع أن يُستخدم مصطلح “الإرهاب” أحيانا كعملة سياسية في لحظة صراع نفوذ، يُرفع حين يخدم الخطاب، ويُؤوَّل حين تُحرج الوقائع…
في السياسة كما في الأخلاق، لا يكفي أن ترفع الشعار، بل يجب أن ينسجم القول مع الفعل، وإلا تحوّل الخطاب إلى ادّعاء بلا ذاكرة…
#السعودية لا تطلب شهادة حسن سلوك من أحد، ولا تبحث عن تصفيق، لكنها ترفض، وبهدوء الواثق، أن تُمحى تجربتها، أو أن يُقلب تاريخها، أو أن تُختزل معركة خاضتها بالنار في جملة اتهام عابرة.
دعونا نكون صريحين:
-أهل الجزيرة العربية، والسعوديون على وجه الخصوص، لا يقبلون هذا الأسلوب في الخطاب، ولا لغة الاستعلاء، ولا محاولات التشكيك التي تتجاهل الوقائع…
نحن لا نختلف على السياسة، فالاختلاف فيها مشروع، لكن المساس بتاريخ دولة واجهت الإرهاب فعلا، ودفعت ثمن المواجهة دما وأمنا واستقرارا، أمر لا يمكن تمريره بلغة ناعمة أو صمت مهذّب.
إن كان ثمة حديث جاد عن الإرهاب، فليكن حديثا يستند إلى الأرقام والمسارات والحقائق، لا إلى الشعارات والمزايدات…
أما الاتهام بلا دليل، فسيبقى، في ميزان السياسة كما في ميزان الأخلاق، اتهاما بلا شرعية…
فالسعودية حين تُتَّهَم جزافًا، لا يُستهدف بذلك كيان سياسي فحسب، بل تُستهدف ذاكرة شعب، وتاريخ معركة موثّقة، وتضحيات لا تُمحى….
ومن لا يملك الدليل، لا يملك حق الاتهام.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة