الانتظار الصامت: حين يتحول الحب إلى محكمة خفية

ليس الذي يقتل العلاقات هو الخلاف، ولا الذي يهزمها هو البُعد، فالعلاقات العميقة نجت عبر التاريخ من الحروب والمنافي واختلاف الرأي واللغة…

الذي يُحطمها حقا هو الانتظار حين يتحول من رجاء إنساني إلى محكمة صامتة، ومن أمل مشروع إلى قانون خفي، ومن حب إلى شرط.

الانتظار حين يُترك بلا اسم ولا اتفاق، يصبح أداة ضغط ناعمة لا تُرى…

تنتظر من الآخر أن يفهم دون أن تُفصح، أن يتغير دون أن تُصارح، أن يحب بالطريقة التي رسمتها أنتَ في خيالك لا بالطريقة التي يقدر عليها قلبه…

وهنا يبدأ الانحراف الخطير: لا يعود الآخر إنسانا حرا، بل مشروع أداء، ولا تعود العلاقة مساحة سكن، بل امتحانا مستمرا.

قال جان بول سارتر: “الجحيم هو الآخرون”.. أو الآخرون هُم الجحيم …

ولم يكن يقصد وجودهم، بل ثقل التوقعات التي نعلقها عليهم حتى نخنقهم بها…

فالانتظار حين يصير غير معلن، يخلق علاقة غير عادلة:

– طرف يعيش تحت ضغط قوانين لم يوقّع عليها،

-وطرف يشعر بالخذلان كلما فشل الآخر في اجتياز اختبار لم يُخبر به.

وفي الحكمة الإسلامية ما يضيء هذا المعنى بعمق أبسط وأصدق…

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

“من وضع نفسه موضع التُّهمة فلا يلومن من أساء به الظن”…

-والانتظار الغامض هو وضع الإنسان في موضع التهمة الدائمة، مهما حسنت نيته، لأنه لا يعلم ما المطلوب منه بالضبط، ولا متى يكون كافيا.

العلاقات لا تنهار من صراخ مستمر فقط، بل من صمت متراكم….

– من “كنت أتمنى لو فهمت” التي لم تُقل،

– ومن “كان يجب أن تفعل” التي لم تُطلب…

– ومن “لو كنت تحبني لفعلت” التي حوّلت الحب إلى عبودية مشروطة….

وهذا أخطر أشكال الظلم العاطفي: أن تطلب من الآخر أن يقرأ أفكارك، ثم تعاقبه لأنه لم ينجح.

الفيلسوف الألماني إريك فروم كتب في “فن الحب” : أن الحب ليس شعورا سلبيا ينتظر الاستجابة، بل فعل نشط يقوم على العطاء والاحترام والمعرفة…

والمعرفة هنا ليست معرفة الجسد ولا التاريخ، بل معرفة حدود الآخر كما هي، لا كما نحب أن تكون…

فالحب لا يزدهر حين يُحاصر بالتوقعات، بل حين يُروى بالقبول.

في الواقع اليومي نرى هذا في كل مكان:

في البيوت، في الصداقات، في العمل، وحتى في الخطاب العام…

كم علاقة ماتت لا لأن أحدا خان، بل لأن أحدهما انتظر طويلا اعتذارا لم يُطلب،

أو تغيُّرا لم يُناقش، أو بطولة لم تُعرّف…

وكم قطيعة وُلدت لأن الانتظار تحوّل إلى ميزان أخلاقي صامت: إما أن تكون كما أريد، أو فأنت مُقصّر.

القرآن نفسه يؤسس لمنطق مختلف في العلاقات، منطق الوضوح والعدل لا التوقعات الملتبسة:

“ولا تزر وازرة وزر أخرى”

فكيف نُحمِّل الآخر وزر صورة صنعناها في أذهاننا ولم نخبره بها؟

العلاقات الصحيحة لا تُبنى على اختبارات خفية، بل على حضور صادق. ..

-على أن نرى الإنسان كما هو، لا كما نريده أن يكون…

-على أن نطلب بدل أن ننتظر..

-ونصارح بدل أن نُخزّن..

-ونترك مساحة للآخر أن يكون نفسه دون خوف من الفشل العاطفي…

الانتظار قد يكون رحمة حين يكون متفقا عليه، وحين يكون صبرا واعيا لا شرطا معلقا…

لكنه يصبح قسوة حين يتحول إلى سجن نفسي، وإلى عبادة للأمل على حساب الواقع.

فالحب لا يتعذب ليُثبت نفسه، بل يختنق حين يُفرض عليه أن يتعذب.

الحب، في جوهره، لا يعيش بالقيد بل بالحرية….

يعود للحياة حين نسمح له أن يكون بسيطا، إنسانيا، قابلا للخطأ…

حين نكف عن محاكمة الآخرين وفقا لخيالنا، ونبدأ في مرافقتهم كما هم…

عندها فقط، لا نحتاج أن ننتظر كثيرا، لأننا نكون قد اخترنا أن نعيش، لا أن نُراقب.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما ..

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما .. كما أنّ ليست كل امرأة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *