مرتبطون زيادة عن اللزوم

يقولون لكم كثيرا إنكم “مرتبطون زيادة عن اللزوم”، وكأن القُرب جريمة، وكأن الانتباه ضعف، وكأن الحساسية عبء يجب التخلص منه…

لكن ما لا يقولونه هو أن ما يسمونه إفراطا هو في الحقيقة جوهر إنسانيتكم، وهو السبب الذي يجعلكم ترون ما لا يُرى، وتسمعون ما لا يُقال، وتشعرون بما يمر خفية في الفراغ بين الكلمات.

أن تكون مرتبطا يعني أن تلتقط الارتعاشة في الصوت قبل أن تُسمع الجملة كاملة، وأن تفهم الصمت بوصفه لغة لا تقل فصاحة عن الكلام….

يعني أن تلاحظ التغير الطفيف في الملامح، وأن تدرك أن الضحكة أحيانا ليست دليلا على الفرح بل محاولة لإخفاء التعب…

هذا النوع من الوعي لا يولد من فراغ، بل من قلب حاضر، ومن عقل لا يتعامل مع البشر كعناوين عريضة بل كعوالم كاملة.

في الفكر الفلسفي، كان “هايدغر” يرى أن الإنسان الأصيل هو ذاك الذي “يكون في العالم” لا ذاك الذي يمر به مرور العابر…

والارتباط بهذا المعنى ليس تشبثا، بل حضور صارم….

أن تكون حاضرا حقا مع الآخرين، لا بوصفهم وظائف في حياتك، بل بوصفهم ذوات حقيقية….

وهذا الحضور هو ما يجعل العلاقة أعمق، لكنه أيضا ما يجعل الألم أصدق حين يحدث.

وفي التراث الإسلامي، لا يُذم هذا النوع من القرب، بل يُشاد به…

يقول النبي ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد”….

الجسد الواحد لا يكون باردا ولا منفصلا، بل يشعر بالألم حين يصيب عضوا منه. فهل نلوم الجسد لأنه يشعر؟

أم نلوم من يريد إنسانا بلا إحساس؟

نعم، هذا القرب

– يجعلكم تشعرون بما لا يشعر به كثيرون….

-يجعلكم تسألون الأسئلة الصحيحة، لا الأسئلة السهلة….

– يجعلكم تعجزون عن التواطؤ مع الخطأ، لأن ضميركم لا يقبل الحلول الكسولة…

– يجعلكم تبقون قلوبكم مفتوحة حتى بعد أن تُصاب، لا لأنكم لا تتعلمون، بل لأنكم ترفضون أن تتحولوا إلى نسخ باردة من أنفسكم.

في الواقع اليومي، نرى هذا النوع من الناس في كل مكان….

– الأم التي تشعر بتغير مزاج طفلها قبل أن يمرض…

– الصديق بحقّ الذي يلاحظ أن شيئا ما انكسر في حديث عابر …

– المعلم الذي يرى القلق في عيون طالب صامت…

=هؤلاء غالبا ما يُقال لهم: “أنت تبالغ”، “خذ الأمور ببساطة”، “لا تحمل نفسك فوق طاقتها”….

** لكن الحقيقة أن العالم لا يتماسك بالبسطاء فقط، بل بالمُنتبهين، بالذين يحملون العبء لأن غيرهم لا يراه.

الفيلسوف الدنماركي “سورين كيركغارد” كتب أن “أعمق الأشخاص ألما هم أعمقهم قدرة على الحب”….

ليس لأن الألم فضيلة بحد ذاته، بل لأن من يسمح لنفسه أن يشعر، يسمح لنفسه أن يحب دون دروع كاملة. …

وهذا ما يجعلهم عرضة للأذى، لكنه أيضا ما يجعلهم قادرين على الغفران، لا غفران الضعف، بل غفران الفهم.

بدون هذا القرب، من ستكونون؟

بدون شجاعتكم في البقاء منفتحين، بدون قدرتكم على الفهم قبل الحكم، وعلى الإصغاء قبل الرد، ستخسرون الشيء الوحيد الذي لا يمكن تعويضه: إنسانيتكم.

ستكسبون راحة مؤقتة، نعم، لكن بثمن باهظ هو التصحُّر الداخلي.

لا تعتذروا لأنكم هكذا…. ولن أعتذر لكُل الذين عرفتهم أو ظننتُ أنني عرفتهم لأنني كنت معهم هكذا ..

لا تعتذروا لأن قلوبكم تعمل بكامل طاقتها….

أن تكونوا “مرتبطين” لا يعني أنكم كثيرون، بل يعني أنكم أحياء….

وأن تكونوا أحياء في عالم يتقن التخدير، هو فعل شجاعة بحد ذاته.

أنتم لستم زيادة عن الحاجة….

أنتم بالضبط كما يجب أن تكونوا….

والعالم، بكل ما فيه من قسوة وتبلُّد، لا يحتاج إلى قلوب أقل إحساسا، بل إلى قلوب أكثر صدقا، أكثر انتباها، وأكثر جرأة على أن تشعر… حتى النهاية.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الانتظار الصامت: حين يتحول الحب إلى محكمة خفية

ليس الذي يقتل العلاقات هو الخلاف، ولا الذي يهزمها هو البُعد، فالعلاقات العميقة نجت عبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *