حين تكون الحدود بداية العلاقة لا نهايتها

كثيرون يسيئون فهم الحدود، فيظنونها قسوة، أو انسحابا، أو نقصا في المحبة…

والحقيقة أعمق من ذلك بكثير….

الحدود ليست موقفا ضد الآخرين، بل موقفا واضحا مع النفس….

هي إعلان هادئ يقول: “هنا أقف دون عداء، وهنا أفتح دون استباحة”

هي ليست جدارا، بل ميزان.

ننشأ في ثقافتنا العاطفية على أفكار نبيلة في ظاهرها، خطيرة في تطبيقها إن تُركت بلا وعي….

نُربّى على أن الحب يعني أن نُعطي بلا توقف، وأن الصداقة تعني أن نبقى مهما كان الثمن، وأن العائلة تعني أن نتحمل كل شيء ونصمت….

لكن حين تُنزَع الحدود من هذه القيم، يتحول الحب إلى إنهاك، والصداقة إلى استنزاف، والعائلة إلى عبء ثقيل يطفئ النور بدل أن يحمله….

عندها لا يعود الحب علاقة، بل يصبح عبادة مؤذية، يُلغَى فيها الإنسان باسم الوفاء.

الحدود ليست قطيعة، وليست أنانية، وليست عقوقا وليست تمرّدا على القيم وليست قسوة….إنما هي وعي….

-هي أن تعرف أين تنتهي مسؤوليتك وأين تبدأ مسؤولية غيرك….

– هي أن تفهم أن السلام الداخلي لا يأتي من الإفراط في الاحتمال، بل من العدل في العطاء…

يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا”…

والحرية هنا ليست سياسية ولا جسدية فقط، بل حرية النفس من أن تُستباح باسم الحب أو القرابة أو العِشرة.

في الفكر الفلسفي، يذهب “إيمانويل كانط” إلى أن الإنسان غاية لا وسيلة….

ومعنى ذلك أنك لا تُحب لتُستَخدم، ولا تُقدَّر بقدر ما تتحمل من الأذى…

حين تضع حدودا، فأنت لا تقول للآخرين: أحبكم أقل، بل تقول: أحبكم بصدق أكبر…

لأن الحب بلا حدود كثيرا ما يُخفي ظلالا ثقيلة من الغضب المكبوت، والتوقعات الصامتة، والخذلان المؤجل….

أما الحب الواعي، فهو واضح، نظيف، لا يبتَزّ ولا يُبتز.

في الواقع، نرى هذا كل يوم….

كم من علاقة انهارت لا بسبب قلة المشاعر، بل بسبب غياب الحدود….

شخص يعطي أكثر مما يستطيع، ثم ينهار، ويغضب، ويشعر بالخيانة…

وآخر اعتاد الأخذ، لا لأنه شرير، بل لأنه لم يُواجَه يوما بخط واضح…

الحدود لا تفسد العلاقات الصحيحة، بل تحميها….

هي مثل ضفاف النهر، لولاها لتحول الماء إلى فيضان مُدمّر.

وفي الميزان الشرعي، لا يُطلب من الإنسان أن يُفني نفسه…

يقول الله تعالى: ؛ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة”…

والتهلكة ليست دائما معصية ظاهرة، قد تكون استنزافا مستمرا للنفس باسم الطيبة…

وكان النبي ﷺ أرحم الناس وأحبهم، ومع ذلك كان واضحا في مواقفه، يعرف متى يعطي، ومتى يعتذر، ومتى يقول “لا” دون قسوة….

هذه ليست قسوة، بل حكمة.

الحدود تعلمنا الصراحة، والصراحة هي العمود الفقري لأي علاقة طويلة الأمد….

من يهتم بك حقا لن يخاف من حدودك، ولن يخسرك بسببها…

بل سيحترمها، لأنها تصدر من المكان ذاته الذي تصدر منه محبتك…

مكان الصدق، لا المساومة…. مكان الوضوح، لا التراكم الصامت للألم.

أما العلاقات التي تنهار عند أول حد، فهي في الغالب علاقات كانت تعيش على الغموض، أو على التضحية من طرف واحد، أو على فكرة غير عادلة مفادها أن الحب يعني أن تختفي كي يبقى الآخر مرتاحا…

وهذه ليست علاقة، بل اختلال….

حين تحمل هذا الفهم، يتغير كل شيء….

لا تعود تخاف من خسارة الناس بسبب وضوحك، لأنك تدرك أن من لا يحتمل حقيقتك، لم يكن يحتملك أصلا….

وتفهم أن السلام لا يأتي من إرضاء الجميع، بل من احترام الذات….

وأن الحدود ليست نهاية العلاقات، بل بدايتها الصحيحة….

فالحدود، في جوهرها، ليست خطوط فصل بين القلوب، بل جسور صدق تمنع الحب من أن يتحول إلى ساحة تعذيب، وتحفظ للإنسان كرامته، وللعلاقة قدرتها على الاستمرار….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حين يختلط القدر بالكسل… والسبب بالغرور

من أكثر الأشياء التي تُربك الإنسان أنه يظن أن الإيمان بالقدر يعني الجلوس وانتظار الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *