الأردن: حيث تكون النخوة نظام حياة، لا شعاراً

حين تريد أن تفهم الأردن لا تبدأ من نصوص البروتوكول ولا من وصف الجغرافيا البارد..

ابدأ من الإنسان الذي يصحو قبل الضوء لأن لديه موعدا مع القوت ومع الكرامة…

هنا ستقابل البدوي الذي يقرأ اتجاه الريح كما يقرأ غيره الأخبار وعجائب الدُنيا.. وستقابل ابن القرية الذي يعرف أسرار التراب ودهشة المواسم بأسماءٍ وتوصيفات لو فقدها فَقَدَ نصف ذاكرته…

“مزراب محقان تِلِم مِعناه ستشّة طورية وفاس وقوّك خيّوه”

ثم ستصل إلى أهل المدن الذين تعلّموا أن يكونوا جسرا بين الإيقاعين:

إيقاع البادية وإيقاع الحقل.

وأصل الحكاية مع احترامي تبدأ في القُرى البعيدة والنواحي المنسية التي قد لا يدري عن أمر بؤس أهلها أحد..

البدوي الأردني لا يحتاج أن يشرح لك معنى المروءة….

المروءة عنده ليست شعارا بل نظام حياة….

ينهض مبكرا، يفتّش عن الماء قبل أن يفتّش على الكلام،

ويقيس يومه بما حفظه من واجب لا بما جمعه من زينة…

هو ابن المسافة المفتوحة: يعرف أن الشدة لا تهزمك إذا لم تهزم نفسك، وأن “الستر” ليس ثوبا بل خُلُق، وأن الضيف أمانة لا “حالة” اجتماعية…

لذلك بقيت القهوة العربية في المخيال العربي أكثر من مشروب:

تحوّلت إشارة إلى الكرم وإلى احترام القادم وإلى تهذيب القوة،

حتى صارت القهوة العربية نفسها تُقدَّم عالميا بوصفها رمزا للكرم في تراث المنطقة.

وتحت سقف الديوان تتكثف معاني الرجولة في صورة هادئة: لا ضجيج في الفروسية، ولا حاجة للتهديد كي يفهم الآخر أنك شديد بأس…

الفارس الحقيقي “يحمي المجلس” قبل أن يحمي صورته…

ومن حكمة الصحراء أنها تعلّم أبناءها أن القوة التي لا تضبطها نخوة تتحول إلى افتراس، وأن الغضب إذا صار قائدا أضاع القافلة…

لهذا ترى البدوي يزن عبارته، ويعرف متى يصمت، ويعرف أن الاعتذار شجاعة، وأن التراجع عن خطأ ليس هزيمة بل نجاة.

ثم تمشي إلى القرية فتظن أنك انتقلت من عالم إلى عالم، لكنك تكتشف أن الجوهر واحد: العزة نفسها ولكن بلباسٍ آخر….

الفلاح الأردني لا يُفاوض الأرض بالخطابات، بل بالعرق والصبر…

يومه يبدأ بنظرة إلى السماء، ثم إلى التراب، ثم على الهم الذي لا يراه أحد.

يتعامل مع الموسم كما يتعامل المؤمن مع القضاء: عمل ثم توكل ثم رضا. يعرف أن الزرع لا يستجيب لمن يستعجل الثمر، وأن البركة ليست رقما في الحساب بل سكينة في البيت…

وحين يجيء موسم القطاف، ترى معنى المُجتمع لا معنى الفرد:

الأيدي تتعاون، والخبز يدور، والمحصول يشبع منه المُتعاونون والمارّة وهو “على أُمُّه” والحكايات تُروى كي لا تموت الذاكرة.

وفي هذا كله تذكير قديم قاله ابن خلدون ببلاغة العالِم الذي رأى الدول تقوم وتسقط: إن أهل البادية أقرب إلى “الخير” من أهل الترف لأنهم أبعد عن التنعّم الذي يرخّي العزائم، ولأن خشونة العيش تصنع صلابة الخلق.

– ليست الفكرة تفضيل قوم على قوم، بل فهم قانون نفسي:

حين تقل الكماليات تزيد المسافة بين الإنسان وبين غروره، وحين يكثر الترف يكثر معه التعلق بما لا ينفع.

أما المدن الأردنية فهي الحاضنة التي تلمّ هذا التنوع وتحوّله إلى دولة ومعنى. المدينة هنا ليست نقيض البادية ولا خصم القرية، بل صورتها الثالثة:

خبرة الإدارة، وحكمة السوق، وتراكم التعليم، وقدرة الناس على تحويل العيش اليومي إلى مؤسسة وخدمة ونظام…

أهل المدن لهم فضل “التنسيق” بين طبائع مختلفة، كي لا يتحول الاختلاف إلى قطيعة…

ولأن الأردن بلد توازنات دقيقة، فإن المدينة الأردنية تعلّمت أن تكون عقل المكان دون أن تنسى قلبه.

لهذا أنا لا أحب الخطاب الذي يقسّم الأردنيين كأنهم جُزر منفصلة:

بدو ضد فلاحين، قرى ضد مدن، شمال ضد جنوب، شرق ضد غرب…

هذه ليست قراءة وطن، بل هندسة خصومة….

الأردن لا يقوم إلا بجميعه:

-بادية ترفع معنى الشهامة،

-وقرية تثبت معنى الاكتفاء والصبر،

-ومدينة تنظم الحياة وتفتح الأفق،

-وشمال يكدّ

-وجنوب يصبر

-وشرق يحرس

– وغرب يوازن،

وكلهم في النهاية يشربون من المعنى نفسه: أن هذا البلد لا يعلو صوته كثيرا، لكنه حين يلزم الأمر يقف كما ينبغي له أن يقف.

ولعل أجمل ما في الشخصية الأردنية أنها تعرف كيف تجمع بين النخوة والانضباط:

أن تكون شريفا دون أن تكون ساذجا،

وأن تكون قويا دون أن تكون فظّا،

وأن تحب الناس دون أن تفرّط بحدودك….

وهذا هو التحدي الأخلاقي الأكبر في زمنٍ يخلط بين الجسارة والوقاحة، وبين الصراحة والقسوة، وبين الرجولة والاستعراض.

تحية للبدوي الأردني الذي علّمنا أن الكرم ليس فائضا في المال بل فائضا في النفس. ..

وتحية للفلاح الذي يحرس المعنى في التراب ويصنع من التعب خبزا ومن الصبر وطنا…

وتحية لأهل المدن الذين يحمون الإيقاع العام كي لا تنفرط السلسلة…

تحية للأردن كله: شماله وجنوبه وشرقه وغربه، مدنه وقراه وبواديه، لأنه بلد يكتب نفسه كل يوم بأيدي أهله، لا بما يقوله عنه الآخرون.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما ..

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما .. كما أنّ ليست كل امرأة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *