الحرب الوحيدة التي قد أخوضها بعد الآن …
أخطر الهزائم هي تلك التي نتقبّل وجودها في دواخلنا كأمر مُسلّم به، ثم نُلبسها ثوب القدر، أو نعلّقها على شماعة الظروف، أو نبرّرها بلغة الشكوى الطويلة التي لا تُنتج إلا العجز…
الحرب الوحيدة التي تستحق أن تُخاض اليوم، هي الحرب على التراخي والاستسلام، والحرب على الجهل، لا الجهل الفجّ، بل ذاك الجهل الموارب الذي يتخفّى في هيئة أعذار، وانتظار، وتسويغ دائم للفشل…
هي الحرب على عقلٍ تعوّد أن يلعن الواقع بدل أن يغيّره، وأن ينتظر الخلاص بدل أن يصنعه.
في منطقتنا، لا في قريتي كفرأبيل فقط… حيث الفقر متجذّر، والبطالة مزمنة، والدول محدودة الموارد… في هذه المناطق يسهل على الإنسان أن يُصدّق أو يُقنع نفسه أن التخلُّف عن الركب قدر، وأن الفاقة هوية، وأن الرضا بالعجز والاستسلام حكمة….
لكن التاريخ لا يعترف بهذه اللغة، والعالم لا يُكافئ على النوايا، ولا يحترم سوى من أخذ بالأسباب، ودخل ساحة المنافسة بعقل يعمل ويدٍ ماهرة تُبدع وتُحاول..
اليابان لم تنهض لأنها بكت على هيروشيما، بل لأنها حوّلت الهزيمة إلى مشروع عمل، وأعادت تعريف الإنسان باعتباره رأس المال الأول….
لم تبنِ نهضتها على الشكوى، بل على الانضباط، واحترام الوقت، والاستثمار في التعليم والمعرفة…
وسنغافورة لم تصبح دولة لأنها امتلكت الموارد، بل لأنها أدركت مبكرًا أن العقل هو المورد الوحيد الذي لا ينضب…
وماليزيا لم تصعد لأنها كانت غنيّة، بل لأنها قررت أن الفقر ليس عذرًا للتخلّف، بل دافعًا مضاعفًا للنهضة…
وحتى الصين، التي خرجت من قرون من الفقر والحفاء، لم تنتظر شفقة العالم، بل دخلت عالمه بقوانينه، تعلّمت، ثم نافست، ثم تفوّقت.
أما نحن، فلا تنقصنا العقول، ولا الأيدي، ولا الموقع، ولا التاريخ….
ما ينقصنا هو الانتقال من ثقافة الخطاب إلى ثقافة الفعل، ومن تمجيد الشكوى إلى تقديس العمل، ومن انتظار المعجزة إلى صناعة الحل….
نغضب لأن غيرنا يخترع ويطلب حقوق ملكية اختراعه، بدل أن نسأل أنفسنا السؤال الأصعب:
– لماذا لا نخترع نحن؟
– ولماذا لا ننافس نحن؟
-ولماذا نطالب بالعدالة في عالم لا يحترم إلا من يملك قيمة مضافة؟
في عالم بلا رحمة ولا إحسان، كما قال مصطفى محمود، لا يبقى إلا حساب:
” خذ وهات “!
لا مكان لمن يرفع صوته عاليا بلا إنجاز، ولا احترام لمن يطلب حقوقا دون أن يمتلك أدواتها….
النهضة ليست شعارا، ولا منشورا حماسيا، ولا حنينا إلى ماضٍ لن يعود….
النهضة عمل يومي، وتعليم حقيقي، ومهارة تُتقن، ووقت يُحترم، وعقل لا ينتظر إذنا ليبدع.
الحل صعب، نعم….
والدواء مُر، نعم…
لكنه الدواء الوحيد…
وكل طريق آخر، مهما بدا مُريحا أو أخلاقيًا في الظاهر، ليس إلا تأجيلًا للهزيمة…
ما دام عندك عقل يفكّر، ويدان قادرتان على العمل، فلا عذر لك، ولا حجة…
فالأمم لا تُبنى بالعواطف، ولا تُنقذها النوايا، بل ينهض بها أولئك الذين قرروا أن الحرب الحقيقية تبدأ من الداخل…
وأن النصر لا يُمنح، بل يُنتزع بالعمل.
أرسلوا لي… لا عن أحلامكم، ولا عن واقعكم البائس وظروفكم الصعبة التي لا تختلف كثيرا عن ظروف إخوتي وأبناء عمومتي وأزواج أخواتي… بل أرسلوا لي عن أفعالكم اليومية….
أرسلوا لي عن شهاداتكم التي أتقنتم مساقاتها فعلًا، لا تلك التي وُضعت في الأدراج وتبخرّت معلوماتها بعد الامتحان النهائي..
اكتبوا لي عن الدورات التدريبية التي خرجتم منها بمهارة حقيقية غيّرت طريقة عملكم أو تفكيركم، لا مجرد ورقة حضور مختومة بنيّة وضعها في سيرة ذاتية من أجل وظيفة لا يتجاوز راتبها ما يكفيكم خمسة أيام أوّل الشهر..
أخبروني عن محاولاتكم الجادّة لتعلّم مهنة، أو لاكتساب مهارة، أو لاختراق عوالم لغة جديدة لا تُفتح من أول مرة أو أسبوع.
أخبروني عن البدايات المُرتبكة، عن التجارب التي لم تكتمل، عن السقوط الذي لم يره أحد، وعن الشجاعة التي احتاجها النهوض من جديد…
أخبروني عن محاولاتكم لا كما انتهت، بل كما عُشتُموها:
تعب، شك، تردّد، ثم إصرار.
فأمامكم كاتبة منكم وفيكم وتُشبه أكثركم …ولم تكن يوما أذكى منكم.. لكنها عرفت معنى المحاولة أكثر مما عرفت معنى الوصول…
حاولت كثيرًا، وأخفقت كثيرا .. وظنّت أنها الأخيرة في كُل مرّة كانت تنفض عن بقاياها غبار التمزّق والخيبة .. اعتزلت الدُنيا والثرثرة والمناسبات الاجتماعية وزيارة الأحبّة وتضييع الوقت.. تألّمت وبكت وعاشت الخذلان في أقسى صوره، ثم حاولت مرة أخرى… ونجحت في كثير بفضل الله، ثم عادت لتُجرّب من جديد…
وما زالت إلى اليوم تحاول، وتُخفق، ثم تحاول… لأن القيمة ليست في ادّعاء الاكتمال، بل في الاستمرار رغم العثرات…
أكرر:
أخبروني عن اللغات التي تعلّمتموها في بيوتكم، بلا معاهد ولا إنفاق وبلا أجور مواصلات، باليوتيوب والمواقع المجانية، بالصبر اليومي، وبالاستماع والتكرار والخطأ بدل تضييع الوقت على أخبار المونديال والنميمة وذكر الناس بما يسوء..
أخبروني كم كتابًا تقرأون لا للتباهي، بل إن كانت القراءة غيّرت فيكم شيئًا، أو وسّعت فيكم أفقًا، أو كسرت فكرة كسولة تنمو بخُبث في عقولكم.
أخبروني عن خدمة قدّمتموها لقريتكم أو حارتكم دون مقابل:
قمامة جمعتموها ولم ينتبه لها أحد..
سورًا أصلحتموه لأن أحدًا لم يفعل..
حجارة أزحتموها من طريق العابرين لأن الكسل صار عادة عامة…
أخبروني عن أفعال صغيرة لم تُنشر، ولم تُصوَّر، لكنها جعلت المكان أفضل قليلًا مما كان.
أخبروني عن يومكم العادي:
ماذا تفعلون كل يوم حين لا يراكم أحد؟
وكيف تنهون يومكم؟
وحين تضعون رؤوسكم على الوسادة، هل تستطيعون أن تبتسموا لأنفسكم لأنكم أضفتم للحياة شيئًا، ولو بسيطًا، بدل أن تكونوا عبئًا على حياة لم تقدّموا لها شيئًا؟
أريد أن أسمع عن الإنسان الذي يعمل بصمت فيكم، ويتعلّم بصبر، ويخدم بلا ضجيج.
أرسلوا لي عنكم… كما أنتم، لا كما تحبّون أن تُوصَفوا.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة