نعم لزوال ولاية الفقيه… لا لسقوط الشعب الإيراني …

يقول المثل الصيني: إن «الثعلب النائم يُحصي الدجاج في أحلامه»،

ويقول عربنا إن «الجوعان يحلم بسوق الخبز»….

وبين الحكمة والسذاجة، وبين الجوع والحلم، وُلد واحد من أكبر الأوهام السياسية في تاريخ منطقتنا: وهم الثورة الإيرانية.

في زمنٍ اشتد فيه عطش العرب إلى الحرية، وبلغ السأم من الاستبداد مداه، جاءت ثورة 1979 في إيران كوميضٍ خاطف.

بدا المشهد آنذاك – من بعيد – ثورة على الطغيان، على النخبوية، على الفساد، على حكم الشاه الذي أدار البلاد كإقطاع خاص.

تخيّل كثيرون، بحسن نية أو بسذاجة سياسية، أن ما يحدث في طهران يمكن أن يكون نموذجًا يُحتذى، وأن عمامة الخميني قد تكون جسرا لعبور الشعوب الإسلامية نحو العدالة والكرامة.

لكن التاريخ لا يرحم الأوهام طويلا.

ما إن انقشع غبار الأيام الأولى حتى ظهر الوجه الحقيقي للمشروع: لم تكن الثورة ثورة شعبٍ بقدر ما كانت انقلاب مشروع، ولم تكن ثورة قيم بقدر ما كانت ثورة هوية قومية فارسية، استعارت الطائفية لا إيمانًا بها بل كأداة تعبئة وتسويق.

هكذا تحوّل حلم الخلاص إلى كابوس تمدّد، وتحول الخطاب الأخلاقي إلى آلة هيمنة، وتحوّل الدين من رسالة إلى وظيفة سياسية.

وكانت الخيبة – كما قال علي عزت بيجوفيتش – بحجم الأمل ذاته. فالأمل الكبير يولّد خيبة كبيرة.

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود المشهد الإيراني إلى الشارع، لا بوصفه تكرارًا للتاريخ، بل محاكمة له.

الاحتجاجات التي تجتاح المدن الإيرانية الآن لم تعد صرخة خبز فقط، ولا احتجاج وقود أو عملة أو بطالة. إنها لحظة وعي متأخرة، لكنها صادقة: وعي شعبٍ أدرك أن موارده نُهبت باسم الثورة، وأن كرامته صودرت باسم الولاية، وأن مستقبله أُحرق في مغامرات لا تعنيه.

شعبٌ يرى ثرواته تُستنزف خارج الحدود، في تمويل الأذرع، وتغذية الميليشيات، وشراء النفوذ، بينما الداخل ينهار: فقر، بطالة، مخدرات، قمع، وانسداد أفق. لم تكن الانتفاضة حتمية فقط، بل كانت مؤجلة أكثر مما ينبغي.

لكن المدهش – حد الصدمة – ليس غضب الشارع الإيراني، بل غضب بعض النخب العربية من هذا الغضب.

فجأة، ارتدى كثيرون عباءة “الاستقرار”، وتحوّلوا إلى أوصياء على شعبٍ لا يشبههم، وراحوا يُحرّمون عليه الثورة بذريعة “محور المقاومة”، و”الخطر الأمريكي”، و”المصلحة الفلسطينية”.!!

أي مفارقة هذه؟

أليس هؤلاء أنفسهم من صفقوا لثورات الربيع العربي؟

أليسوا من رفعوا شعارات إسقاط الأنظمة القمعية؟

كيف تصبح الثورة فضيلة حين تكون ضد خصومكم، ورذيلة حين تهدد حليفكم؟

ابن المقفع قال يوما: «العاقل لا يجعل اتقاءه لغير المُخوِّف، ولا رجاءه في غير المُدرك». وكل من له عقل سياسي يدرك أن الخوف المصنوع، والرجاء المزيّف، هما أداتا الهيمنة الأنجع.

أليس من حق الشعب الإيراني أن يثور على نظام صادر ثورته؟

أليس من حقه أن يحاسب سلطة أنفقت خيراته على الحرس الثوري، وحزب الله، والحوثيين، وميليشيات العراق الدموية، بينما تركته فريسة الفقر والإدمان؟

أليس من حقه أن يخلع عمائم وعدته بالخلاص فأدخلته في عزلة وعداوات لا تنتهي؟

أليس من حق القوميات غير الفارسية داخل إيران أن تطالب بالمواطنة لا بالهامش، وبالشراكة لا بالوصاية؟

تقولون إن سقوط الولي الفقيه يهدد استقرار المنطقة. لكن دعونا نسأل بصدق: من الذي زعزع استقرار المنطقة أصلًا؟

ألم يكن نظام الولاية هو من سهّل سقوط العراق، ثم ملأ فراغه؟

ألم يكن هو من أرسل الحرس الثوري وميليشياته لذبح الشعب السوري وحماية بشار الأسد؟

ألم يكن هو من غذّى الانقلاب الحوثي وأشعل حرب اليمن؟

ألم تكن بصماته حاضرة في كل فتنة طائفية عبر وكلائه؟

أي استقرار هذا الذي يُبنى على أنقاض الشعوب؟

أما فلسطين، تلك الورقة التي تُستخرج كلما ضاق الخناق، فقد تحوّلت في الخطاب الإيراني إلى وظيفة خطابية أكثر منها التزامًا حقيقيًا.

الخميني قال: «لا قيمة لسياساتنا إن لم يكن لنا يد في القضية الفلسطينية». كلام جميل، لكن الواقع – كما يقول الباحث الإيراني تريتا بارسي – كان شيئا آخر: خطب رنانة، ودعم كلامي أسهل من الفعل، وشعارات نادرًا ما تُتبع بأفعال ملموسة.

حتى الشارع الإيراني نفسه يسخر من هذه الازدواجية، ويدرك أن فلسطين استُخدمت غطاء، لا قضية، وأداة تعبئة لا مشروع تحرير.

نعم، دعمت إيران بعض فصائل المقاومة في مراحل معينة، لكن دعمًا مشروطًا بالتماهي مع أجندتها. وحين رفضت حركات فلسطينية الانخراط في مشاريعها الإقليمية، لم تتردد آلة الإعلام في الانقلاب عليها.

غير معقول أن يُطلب من العرب الترحيب ببقاء نظام قمعي لأنه يعادي خصومهم.

وغير معقول أن يُقدَّم العداء لأمريكا أو إسرائيل كصك براءة لأي نظام.

المعيار الوحيد الذي لا يخون هو هذا: ماذا فعل النظام لشعبه؟ وماذا جرّ على أمته؟

إيران بلد يرفع شعار الإسلام، وشعبها جزء أصيل من هذه المنطقة، واستقرارها مصلحة جماعية…

لكن هذا الاستقرار لن يتحقق تحت حكم صادر السياسة باسم الدين، والهوية باسم الثورة، والمستقبل باسم الماضي….

إذا كان العالم قد برّر يوما ثورة الإيرانيين على الشاه، فبأي منطق يُحرَّم عليهم اليوم الثورة على نظام أشد قمعا وأوسع طموحا وأكثر تدميرا ووحشية في الأرجاء؟

إن كان المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين، فإلى متى نقبل أن نُلدغ من كل جُحر، ثم نصفق للجحر نفسه؟!

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الحرب الوحيدة التي قد أخوضها بعد الآن …

الحرب الوحيدة التي قد أخوضها بعد الآن … أخطر الهزائم هي تلك التي نتقبّل وجودها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *