حين يُقال إن الخميني مات، فذلك صحيح بيولوجيا فقط.
أما سياسيا وتاريخيا، فالخميني لم يكن فردا قابلا للموت، بل كان نقطة تأسيس، والأنظمة لا تموت بموت مؤسسيها إذا كانت قد تحولت إلى بنية مكتملة.
ما مات في عام 1989 هو الجسد، أما «الخمينية» فكانت قد تجاوزت صاحبها، واستقرت كمنظومة حكم، وكوظيفة إقليمية، وكعقيدة سياسية لا تحتاج إلى الكاريزما بقدر ما تحتاج إلى الاستمرار.
الخطأ الشائع في قراءة إيران ما بعد الخميني هو التعامل مع “علي خامنئي” بوصفه امتدادا شخصيا له، أو نسخة ثانية منه.
والحقيقة أن خامنئي لم يكن استمرارا للخميني، بل تعديلا عليه.
لم يكن الرجل الذي خَلَف الخميني هو الأقوى دينيا، ولا الأعلم فقهيا، ولا الأكثر حضورا في الوجدان الشيعي، بل كان الأنسب وظيفيا للمرحلة الجديدة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
النظام الذي قام على «المرجع الكاريزمي» لم يختر بعده مرجعا كاريزميا .
الخميني كان ضروريا لمرحلة الصدمة…
-مرحلة إسقاط الشاه
-تحطيم الدولة القديمة،
-تفكيك الجيش،
-إقصاء القوى السياسية،
وبناء شرعية ثورية فوق أنقاض كل ما سبق.
في تلك المرحلة، كانت الكاريزما سلاحا، وكان الخطاب الصِدامي ضرورة، وكان الرجل الاستثنائي حاجة وجودية للنظام الوليد.
لكن بعد تثبيت الحكم، تتحول الكاريزما من نعمة إلى عبء.
الزعيم الملهم يصبح خطرا على المؤسسة، والرمز يتحول إلى مركز جذب ينافس الدولة نفسها.
عند هذه النقطة، لا تبحث الأنظمة عن عظماء، بل عن مديرين.
جاء “علي خامنئي” في هذا السياق بالضبط…
رجل لا يملك وزنًا فقهيًا مطلقًا، ولا قاعدة شعبية مستقلة، ولا قدرة على منافسة مراكز القوة الأخرى داخل النظام.
وهذا لم يكن ضعفا عارضا، بل ميزة مقصودة. ..
فالنظام لم يعد بحاجة إلى «قائد ثورة»، بل إلى رأس يحفظ التوازن بين مراكز النفوذ:
-الحرس الثوري،
-المؤسسة الدينية، الدولة،
-والوظيفة الإقليمية لإيران.
لهذا، لم تنتقل السلطة الحقيقية بسلاسة إلى موقع «المرشد» كما توحي النصوص الدستورية، بل تسرّبت تدريجيًا إلى الحرس الثوري.
ومع خامنئي، لم يعد المرشد هو القائد المطلق، بل الضامن الشرعي لبنية القوة.
يعطي الغطاء، لا التوجيه التفصيلي…
يبارك، لا يقود المعارك بنفسه….
وهنا تحولت «ولاية الفقيه» من فكرة ثورية إلى أداة ضبط.
الخمينية، بهذا المعنى، لم تعد مرتبطة باسم الخميني، بل أصبحت نظام تشغيل كامل:
– خطاب عدائي محسوب
– صراع إقليمي دائم منخفض الكلفة
– تفويض الميليشيات بدل الجيوش
– إدارة الفوضى بدل حسمها
هذه العناصر لم تتغير بوفاة الخميني، بل ازدادت انتظامًا.
وما كان يُدار سابقًا عبر الاندفاع الثوري، صار يُدار عبر الحسابات الباردة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا استمر النظام بعد موت الخميني؟
بل: كيف نضج النظام بعد موته؟
الجواب أن الثورة تحولت إلى دولة، والدولة تحولت إلى وظيفة، والوظيفة لم تعد بحاجة إلى رمز ملهم، بل إلى بنية صلبة…
خامنئي لم يكن خليفة الخميني بقدر ما كان حارس الخمينية، بصيغتها الجديدة، الأقل صخبا، والأكثر ديمومة.
وهنا تسقط واحدة من أكثر الأوهام شيوعا:
أن تغيير الأشخاص كفيل بتغيير المسارات،
-فالخميني مات، لكن الحرب في المنطقة لم تنته. -الشعارات تغيّرت نبرتها، لكن الصراع بقي…
-الأدوات تطورت، لكن الهدف لم يتبدل.
الخميني كان البداية الصاخبة…
خامنئي هو الاستمرار الصامت…
أما «الخمينية»، فهي الاسم الآخر لنظام تعلّم كيف يعيش بلا مؤسسه، وكيف يستمر بلا جَلَبةٍ، وكيف يُعيد إنتاج نفسه كلما تغيّر الوجه.
وهذا أخطر أشكال الأنظمة:
التي لا تموت بموت رموزها، لأنها لم تعد بحاجة إليهم.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة