المنطقة المسيّجة: كيف تُدار الجغرافيا بالخوف والنزيف؟

نحن لا نعيش سلسلة أزمات منفصلة: سوريا، غزة، السودان، اليمن، إيران، وحملات تشويه السعودية والكذب الدائم على كُل ما هو أردني…

نحن نعيش منظومة واحدة لإدارة المنطقة: تُدار بالخوف، وتُسقى بالانقسام، وتُغطّى بشعارات كبيرة، بينما يجري تحتها حساب المصالح البارد…

لماذا يحدث كل هذا؟

– لأن المنطقة تُستَخدم كمساحة اختبار …

اللاعبون الكبار لا يبحثون عن “نصر” نهائي، بل عن توازن نزيف:

-نزيف لا يُسقطك تماما كي لا تتحرّر

ولا يتركك تتعافى بشكل كامل كي لا تقف على قدميك وحدك بلا ترنُّح…

فتبقى الدول منشغلة بتسكين الألم، لا بمعالجة المرض….

ومن هنا نفهم:

لماذا تتكاثر الأذرع، ولماذا تُستثمر الهويات، ولماذا تُخترق القضايا العادلة باسم نصرتها….

*سوريا وقسد: لماذا تعود العقدة كلما اقترب الحل؟

– في سوريا، ليست المسألة “قسد” وحدها ولا “دمشق” وحدها…

المسألة أعمق:

من يمتلك قرار الدولة والسلاح والموارد؟ ومن يملك حق تعريف الوطنية؟

حين تتحوّل الجغرافيا إلى إدارات متوازية، والسلاح إلى “شرعية بديلة”، يصبح الاندماج ليس قرارا إداريا بل معركة هوية وسيادة…

لذلك تتعثر المفاوضات: لأن كل طرف يخشى أن يذوب، لا أن يندمج.

في هذا السياق، ما يفعله الأخ أحمد الشرع ليس مجرد حركة سياسية، بل محاولة نزع فتيل تاريخي: الاعتراف بالحقوق والهوية قبل أن تتحول الهوية إلى جبهة…

-خطوة منح الأكراد حقوقا أوسع (الجنسية واللغة والاعتراف والرموز) تُقرأ كاستثمار في “الدولة الجامعة” بدل “الدولة الغالبة”… وفي ذلك فرق يا عزيزي !

لكن في المقابل، تصاعد التوتر العسكري حول مناطق الشمال والشرق يفضح أن الملف ليس ثقافيا فقط، بل مرتبط بتوازنات القوة ومصادر الثروة وممرات النفوذ.

كلما حاولت دولة ما… استعادة تعريفها لنفسها كدولة واحدة، اشتعلت حساسيات “الإدارات” التي اعتادت أن تكون دولة داخل الدولة…

وحين تتأخر التسوية، يُصبح السلاح لغة تفاوض، ويصير المدنيون هم الورقة الأرخص.

*السعودية وحملات الاتهام بتمويل ودعم “الإرهاب”:

لماذا تُستهدف صورة الدولة لا حدودها؟

– الهجوم على السعودية عبر تهمة تمويل ودعم وتفريخ وتدشين “الإرهاب” ليس دائما نقاشا قانونيا علميا موضوعيا بقدر ما هو سلاح معنوي: تشويه الشرعية، وإرباك التحالفات، وابتزاز المواقف.

وهنا مفارقة مُرّة:

السعودية تُستهدف سرديا من جهات متناقضة أصلا، كل جهة تجرّها إلى خانة تناسبها: مرة “تطرّف ديني”، ومرة “قمع”، ومرة “خيانة”، ومرة “تخادم”…!

والحقيقة أن الهدف واحد؛ ألا وهو:

” تحييد مركز الثقل في المنطقة، أو إجباره على الانكفاء….”

ولا يُفهم هذا إلا إذا أدركنا أن “مكافحة الإرهاب” ليست فقط معركة أمنية، بل معركة تعريف: من هو الإرهابي؟ ومن يملك حق إطلاق المصطلح؟

وهذا سلاح استخدمته دول وخصومات إقليمية مرارا لتصفية حسابات سياسية تحت ستار أخلاقي. ….

وفي المقابل، وجود أُطُر أممية وتمويلات ودعم مُعلن لبرامج مكافحة الإرهاب يوضح أن الملف متعدد الوجوه، ولا يُختزل في حملة واحدة أو وسم واحد.

حين تفشل في كسر دولة في اقتصادها أو أمنها، تُحاول كسرها في صورتها…

وإذا كسرت صورتها… كسرت قدرتها على الوساطة… وعلى جمع الأطراف..

وعلى قيادة الإقليم من موقع ثقة….

*غزة وخرق الهدنة: تنهار “الهُدَنة” حين لا تُحمى بضمانات …

-الهدنة ليست ورقة….

الهدنة ميزان قوة وضمانات وممرات تنفيذ…

حين تبقى عناصر المرحلة الأولى “غير مُكتملة”، وتستمر الضربات والاتهامات المتبادلة، تصبح الهدنة هشّة بطبيعتها.

والوسطاء هنا ليسوا رفاهية دبلوماسية، بل صمام حياة:

لأن غياب التثبيت (مراقبة، التزامات زمنية، فتح معابر، تبادل، آلية محاسبة) يجعل الهدنة قابلة للخرق عند أول اختبار.

القضية ليست فقط “من خرق أولا”، بل: لماذا تُترك الهدنة بلا أسنان؟

-لأن الهدنة عند بعض اللاعبين تُستخدم كفترة إعادة تموضع لا كقرار إنهاء حرب.

ولهذا، لا بد أن يكون تدخل الوسطاء “مؤسسيًا” لا “استعطافيا”:

آلية تُلزِم، لا خطابات تُناشِد… وشتّان بين الاثنتين !

السودان: لماذا تُترك الكارثة بلا إشارة؟

السودان مثال موجع على “اقتصاد اللامبالاة الدولية”:

حرب طويلة، كارثة إنسانية، وتشظي سلطات، ومع ذلك لا يحظى بالزخم الذي يوقف النزيف.

المفاوضات تُستأنف وتتعثر، والنداءات تتكرر، بينما الناس تُدفن تحت العناوين الصغيرة.

حين تصبح الحرب “ممتدة” تتحوّل إلى سوق:

اقتصاد تهريب، وميليشيات، وولاءات خارجية، وخرائط نفوذ.

والمدني يُختصر إلى رقم….

والرقم لا يُقلق أحدًا ما دام لا يهدد مصالحه المباشرة.

**إيران والمظاهرات: لماذا يثور الداخل حين تتضخم أسطورة الخارج ؟!

-إيران اليوم تُواجه حقيقة قديمة بثوب جديد:

حين تُقدّم الدولة نفسها كـ”رسالة كبرى”، ثم يعجز المواطن عن العيش الكريم، يبدأ التناقض في أكل الشرعية من الداخل…

التقارير عن الاحتجاجات والقمع، والحديث عن آلاف القتلى والمعتقلين، والانقطاع الحاد للاتصال… كلها مؤشرات على دولة تخشى “الصوت” لأنها تعرف أن الصوت حين يتسع يصير شعبا لا حشودا ..

ومع تصاعد التوتر مع واشنطن، تتضاعف الضغوط الاقتصادية والسياسية، فتدخل البلاد حلقة: قمع داخلي، توتر خارجي، ثم مزيد من القمع.

**الأنظمة حين تفقد العدالة في الداخل، تُكثّف الشعارات في الخارج…

وحين تفقد الخبز… ترفع الرايات….

“تحرير فلسطين” كغطاء للتسلّل: لماذا تُختطف القضايا العادلة بسهولة؟!

أخطر ما يحدث في المنطقة ليس فقط الحرب، بل اختطاف المعنى.

أن تُستعمل فلسطين كقميص نجاة لأي مشروع نفوذ، وكشعار يغطّي تمدد الأذرع والسلاح والاختراق.

هذا ليس ادعاء أخلاقيا فقط، بل يُقرأ ضمن ديناميكيات الصراع:

تصاعد أدوار الوكلاء، وتوسّع ساحات الاشتباك، واستثمار الغضب الشعبي لتبرير تحركات لا تخدم الفلسطيني بقدر ما تخدم توازن الردع الخاص بتلك القوى.

ومع بيئة معلوماتية مُفخخة، تتحول الدعاية إلى سلاح يسبق الرصاصة:

تعبئة، شيطنة، وإسكات أي نقد بوصفه خيانة للقضية.

**والأردن تحديدا ليس استثناء من هذا المشهد بل هو في قلبه كعقدة توازن حساسة تستهدفها الحملات لأن سقوطها يفتح الباب لفوضى إقليمية شاملة…

فهذه الدولة الصغيرة بحجمها، الكبيرة بوظيفتها، ظلت لعقود تمشي على حبل مشدود بين نار الجغرافيا ونار السياسة، وتدفع ثمن موقعها أكثر مما تحصد مكاسب…

وحين عجزت مشاريع التفكيك عن اختراق مؤسساتها، انتقلت إلى سلاح أرخص وأقذر: التشويه المنهجي، شيطنة كل ما هو أردني، وتحويل الدولة إلى شماعة لكل أزمة، وكأن المطلوب أن يكره الأردني وطنه بلسانه قبل أن يُنهك بواقعه…

في الأردن لا تُستهدف الحكومة وحدها، بل تُستهدف فكرة الدولة نفسها، وتُستهدف الثقة بين الناس ومؤسساتهم، لأن ضرب الثقة هو المقدمة الطبيعية لضرب الاستقرار، وحين ينهار الاستقرار لا يبقى للفلسطيني ولا للسوري ولا للعراقي ولا حتى للأردني ملاذ، بل يتحول الجميع إلى فائض بشر في سوق الحروب…

لذلك فإن الدفاع عن الأردن ليس مجاملة لنظام ولا انحيازا لشخص، بل دفاع عن آخر خطوط التماسك في منطقة تُدفع دفعا إلى الفوضى…

**حين تُصادر القضية العادلة من أصحابها، تتحول من “حق” إلى “ذريعة”.

والذريعة لا تُنقذ أحدا، بل تُطيل عمر من يستخدمها….

الخيط الذي يجمع كل هذا:

الطغيان كمنظومة اجتماعية قبل أن يكون حاكما !

-في سوريا ترى معركة تعريف الدولة….

– وفي غزة ترى هدنة بلا ضمانات….

– وفي السودان ترى كارثة بلا عدسة كافية….

– وفي إيران ترى دولة تخشى شعبها…

-وفي حملات تشويه السعودية ترى حربا على المركز والشرعية…

-وفي الأردن ترى استهدافا لفكرة الدولة نفسها قبل استهداف أي حكومة

ترى محاولة ممنهجة لخلخلة الثقة بين الناس ومؤسساتهم

لأن الأردن ليس مجرد بلد على هامش الخرائط بل هو خط تماس بين الفوضى والنظام ..

فإذا كُسرت هيبته وانطفأت ثقته صار الجميع بلا سقف ولا سند

وحين يسقط آخر معنى للدولة لا يبقى للوطن إلا اسمه ولا للناس إلا التيه

والجامع: أن المنطقة تُدار على قاعدة واحدة:

كلما كبر وعي الناس، ضاقت مساحة العبث….

لذلك يُراد للناس أن يبقوا بين خوفين:

-خوف من الفوضى إذا طالبوا بحقهم ..

-وخوف من القمع إذا رفعوا صوتهم …

*فيقبلون بحياة “بين بين”، “لا تنهض … لا تسقط… فقط اجلس في مكانك ولتنزف حتى آخر قطرة”!

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لا خير في امرئ إذا خاصم فجر

من أخطر ما أصاب وَعينا الجمعي في هذا الزمن، أن السياسة لم تعد مساحة اختلاف، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *