وهم الجوار الآمن: حين تُخفي الخطابات ما تكشفه الوقائع

ليست المشكلة في القول إن إيران “جارٌ جغرافي” أو أنها “جزء من العالم الإسلامي”…
فهذه حقائق ( شكلية) لا يجادل فيها أحد.. بعيدا عن المسألة العَقَدية ..
لكن الإشكال يبدأ حين تتحول هذه الحقائق البديهية ( جغرافيا وتاريخيا) إلى مظلّة تبرير سياسي تُستخدم لطمس مسار طويل من السلوك الاستراتيجي المتراكم…

فالجوار في علم السياسة لا يُقاس بالخرائط… بل بأنماط الفعل عبر الزمن…
وعند إخضاع هذه الفكرة لقراءة هادئة، يتضح أن المسألة ليست “توترًا خفيفا عرضيّا” ولا “سوء تفاهم مؤقت”…
بل نمطًا متكررًا من إدارة النفوذ، يقوم على التغلغل غير المباشر، وبناء أدوات داخل الدول، ثم إعادة تشكيل توازناتها من الداخل…

في صورته المعاصرة، لا يظهر هذا النمط كاحتلال تقليدي…
بل كـ”حضور مرن” يتكئ على الوكلاء، ويتحرك داخل المساحات الرمادية:
– حيث تتحول بعض الجغرافيا إلى منصات ضغط إقليمي…
– وتُستثمر الهويات الفرعية لإعادة رسم موازين القوة…
– وتُدار الصراعات بحيث تبقى مفتوحة… لا تُحسم….
= وهنا لا يعود السؤال: هل هناك “عداء” أم لا؟
بل: كيف يُدار هذا الحضور؟ ولصالح من؟ وعلى حساب من؟

الأخطر من ذلك ليس الفعل ذاته… بل إعادة تفسيره.
إذ يُعاد تقديم هذا التمدد أحيانًا بوصفه “حماية” أو “مساندة”…
بينما نتائجه على الأرض تُظهر دولًا منهكة، ومجتمعاتٍ منقسمة، وسياداتٍ مُقيّدة…..

وفي المقابل، يُدفع الخطاب العام إلى معادلة زائفة:
إما هذا المشروع… أو مشاريع أخرى…
وكأن المنطقة محكومة دائما بأن تختار بين بديلين كلاهما قائم على توظيفها لا تمكينها….
لكن القراءة الأعمق تُظهر أن الإشكال لا يكمن في “مقارنة مشاريع”،
بل في طبيعة المشروع ذاته:
هل هو مشروع يُعيد للدولة سيادتها؟
أم يعيد تشكيلها لتكون جزءا من شبكة نفوذ أوسع؟

وإذا عدنا خطوة إلى الوراء، سنجد أن هذا السلوك ليس وليد اللحظة.. بل يتكرر بأشكال مختلفة عبر التحولات السياسية، مع ثبات في جوهر الفكرة:
** التوسع عبر الداخل، لا عبر الحدود…
ولهذا، فإن اختزال المسألة في كونها “خلافا طارئا” أو “سوء فهم قابل للتجاوز”
يُغفل أن ما يجري أعمق من ذلك بكثير…

إنه يتعلق بكيفية تعريف الأمن، والسيادة، وحدود الدور الإقليمي….
صدقا وحقّا وبعيدا عن الخوف من التصنيف والشيطنة والتخوين:
– ليس كل جارٍ سندا…
– ولا كل تقاربٍ ضمانا…
– ولا كل خطاب عن “الوحدة” يعكس حقيقة في الممارسة…

= الاختبار الحقيقي لأي علاقة إقليمية لا يكون في الشعارات .. بل في أثرها على الأرض:
– هل تُبنى دولٌ أكثر استقرارا؟
أم تُستنزف مجتمعاتٌ أكثر هشاشة؟

هناك فقط… تتكشف الحقيقة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الملك عبدالعزيز… من توحيد الأرض إلى تأسيس المعنى

لم تكن المشكلة في هذه الأرض يوما قلة الرجال، ولا ضيق الموارد، ولا حتى وعورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *