المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المعاني النبيلة إلى أدوات تهدئة جماعية…

ليست المشكلة في أن تُمدح القناعة… ولا في أن يُذكر الزهد…
ولا في أن تُستحضر النصوص التي تدعو إلى التواضع…
المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المعاني النبيلة إلى أدوات تهدئة جماعية…
تُسقى للناس لا لتخفيف الألم، بل لإلغاء وعيهم بالألم….
سيقنعونك أن الفقر فضيلة… وأن القناعة تكفيك عن السعي…
وأن الطيبة رأس مال الفقراء… وأن الأغنياء -في المجمل- مصاصو دماء.

خطاب يبدو رحيما… لكنه في حقيقته يُعيد تشكيل وعيك:
– حتى تستمتع بفقرك
– وترضى بحاجتك
وتتعايش مع ضعفك… دون أن تسأل: لماذا؟
وهنا تتحول القناعة – من خُلق رفيع – إلى وظيفة سياسية.

سيحدثونك عن الزهد…
لكنهم لن يحدثوك عن عثمان بن عفان حين جهّز جيش العسرة..
ولا عن عبد الرحمن بن عوف حين كانت تجارته شبكة حياة للناس…
ولا عن أن المال -في يد الصالح- كان وسيلة إعمار لا أداة فساد.
بل الأخطر من ذلك…
أنهم سيستدعون مقام النبي ﷺ ذاته… بطريقة مُحرّفة.
سيقولون لك: “النبي كان فقيرًا”…
وكأنهم يريدون تحويل الفقر إلى نموذج يُفرض عليك، لا ظرف مرّ به ثم تجاوزه.
والحقيقة أدقّ وأعمق:
فالله يقول: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾،
وكان من دعائه ﷺ: “اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر”،
وكان يسأل الله العفاف والغنى.

فهو لم يُقدّس الفقر… بل استعاذ منه، ولم يدعُ إلى العجز… بل إلى القدرة والعفاف.
أما قوله: “أحيني مسكينًا” فلم يكن طلبًا للعوز ..
بل طلبًا لمسكنة القلب: تواضعا وخشوعا… لا فقرا وحاجة.
وهنا يقع التلاعب الخطير: يُبدّلون التواضع إلى فقر،
ويحوّلون الزهد الاختياري إلى عجز إجباري،
ثم يطلبون منك أن ترضى… بل أن تشكر !

وفي عالم اليوم، لم يعد هذا الخطاب بريئا، بل أصبح جزءا من منظومة تُبقي المجتمعات في حدّ الكفاف … حتى لا تنتقل من سؤال “كيف أعيش؟”
إلى سؤال أخطر: “لماذا أعيش هكذا؟ ومن المسؤول؟”

يُقال لك: “اقنع”… لكن لا يُقال لك: “ابنِ”.
يُقال لك: “ارضَ”… لكن لا يُقال لك: “غيّر”.
يُقال لك: “الزهد فضيلة”… لكن لا يُقال لك: “القوة مسؤولية”.

وهنا تتشكل أخطر معادلة:
– شعبٌ فقيرٌ راضٍ… وسلطةٌ مطمئنة….
– لأن الفقر – حين يُجمَّل- لا يُقاوَم …
والحاجة – حين تُقدَّس- لا تُعالَج ..
والضعف – حين يُلبس ثوب الفضيلة- يتحوّل إلى قدرٍ لا يُناقش…

لكن الحقيقة التي يخشونها بسيطة:
– أن تدرك أن القناعة لا تُناقض السعي ..
– وأن التواضع لا يُناقض القوة
– وأن الدين لا يصنع إنسانا مستضعفا… بل إنسانا عزيزا قادرا.
حينها فقط… لن تكتفي بقوت يومك، ولن ترضى بدور المتفرّج،
ولن تبقى داخل الدائرة التي رُسمت لك بعناية.

وحين تفعل…
لن تكون “مزعجًا” كما يقولون، بل ستكون إنسانا استعاد وعيه.
والوعي…

هو أول طريق الخروج…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الملك عبدالعزيز… من توحيد الأرض إلى تأسيس المعنى

لم تكن المشكلة في هذه الأرض يوما قلة الرجال، ولا ضيق الموارد، ولا حتى وعورة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *