ليس لأن الهواء كان أنقى بالضرورة، ولا لأن الماء كان أصفى على وجه الحقيقة… لكن .. رُبما لأننا … كنا نشرب الحياة ببطء ..
كنا نتنفسها كما يتنفس الفلاح رائحة التراب بعد المطر، دون أن نسأل عن تركيبتها الكيميائية، ودون أن نقيسها بمقاييس العصر الحديث….
لهذا نظن اليوم أن الهواء تغيّر، وأن الماء فقد براءته، وأن رمضان لم يعد كما كان…
لكن السؤال الحقيقي ليس عن العالم… بل عنا نحن.
لماذا حين نستعيد الماضي نشعر أن كل شيء فيه كان أطيب:
الخبز أشهى
والشاي أطيب
قمر الدين لذيذ جدا
والتفاح أكثر حلاوة؟
ربما لأن الطعم الحقيقي للأشياء لا يسكن في الثمرة، بل في الروح التي تتذوقها.
في ذلك الزمن، لم تكن الحياة فقيرة كما نظن الآن .. بل كانت أقل ضجيجا.
لم تكن الأيام تتدافع في وجوهنا كما يحدث اليوم …
بل كانت تسير بخطى إنسان يعرف أين يضع قدمه….
كان الصباح يُفتح على صوت المذياع، لا على عاصفة الأخبار التي تتدفق من آلاف الشاشات….
وكانت رائحة الخبز المُنبعثة من فرن الطابون تشبه وعدا صغيرا بأن هذا اليوم، مهما كان بسيطا، سيمنحنا من المسرّة ما يكفينا حتى صبيحة اليوم التالي….
كنا نعتقد أن هذه التفاصيل عادية:
خطوات المُتسلّلين الصغار نحو المطبخ قبل الفجر
صوت الملاعق وهي تصطدم بأكواب الشاي
ضوء المصباح الأصفر الذي يتدلّى فوق مائدة متواضعة….
لم نكن نعرف أننا نعيش في قلب النعمة ..
واليوم نحمل العالم كله في جيوبنا، لكننا فقدنا القدرة على الإصغاء إلى صوت الباب حين يطرقه صديق لنا أو جار،،، دون موعد….
نستطيع أن نتحدث مع أي إنسان في أي قارة، لكننا لا نعرف أسماء الجيران خلف الجدار….
امتلأت حياتنا بالأشياء، وفرغت من المعنى.
في الماضي لم يكن الوقت واسعا، لكن القلوب كانت كذلك.
كان خبز التنور يكفي لوليمة، وكان إبريق الشاي كافيا لفتح حديث طويل لا يقاطعه إشعار ولا يقطعه اتصال….
أما اليوم فقد كبر كل شيء… إلا الإنسان في داخلنا….
حين نقول إن قمر الدين كان له مذاق أطيب، نحن في الحقيقة لا نتحدث عن قمر الدين.
نحن نتحدث عن زمن كانت فيه الحواس يقظة….
كنا نمسك حبّة القطايف كما يمسك الطفل كنزا صغيرا ..
ننظر إليها ..
نشم رائحتها ..
نعضّها ببطء.
أما اليوم فنبتلع الحياة كما نبتلع الأخبار:
سريعا
بلا تأمل
بلا طعم….
لهذا يبدو كل شيء باهتا …
ليس لأن العالم فقد نكهته، بل لأننا فقدنا صبر التذوق.
الحنين إلى “زمن الطيبين” ليس بكاءً على الماضي بقدر ما هو اعتراف صامت بأننا كنا أكثر إنسانية….
كنا نعرف كيف نفرح بالقليل …
كيف نحتفل بتفصيلة صغيرة …
كيف نصنع من الأشياء العادية معنى كبيرا …
لم يكن ذلك الزمن خاليا من الألم أو الفقر …
لكن القلوب كانت أقل ازدحاما بالمقارنة والحساب….
كنا نعيش… لا نلاحق الحياة….
ربما لم يتغير القطايف، ولم يتغير الهواء، ولم يتغير رمضان كما نظن.
الذي تغيّر هو تربتنا الداخلية.
تلك التُربة التي كانت تنبت الامتنان والرضا والدهشة.
واليوم، في زحمة هذا العالم الذي لا يسكت لحظة، ربما نحتاج إلى شيء بسيط جدا:
وقفة صمت….
نغلق فيها نوافذ التشويش والتشتيت قليلا،
ونفتح نافذة للذاكرة…. لا لنعود إلى الماضي .. فالماضي لا يعود…
لكن لنستعيد الإنسان الذي كنا عليه…..
ذلك الإنسان الذي كان يُضيء وجهه حين يرى المطر، ويتأمل الغروب،
ويضحك من القلب دون سبب كبير.
ربما…
حين نستعيده ..
سنكتشف أن طعم القطايف لم يتغير أبدا…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة