في ظلّ الاضطراب المُحيط تميل العواطف إلى اختصار العالم في ثُنائيات بسيطة: صديق وعدو، مقاوم وخائن، ضحية وجلاد ..!!
لكن التاريخ يعلمنا أن الواقع أكثر تعقيدا، وأن الشعوب كثيرا ما تجد نفسها في لحظة مأساوية تُدفع فيها للاختيار بين مشروعين كلاهما غارق في دمها.
من هنا تنطلق بعض كتاباتي التي لا تروق لكثيرين من زاوية مختلفة قليلا:
زاوية القانون الدولي العام، لا بوصفه مجموعة من النصوص الجامدة المُدوّنة في كتب القانون، بل بوصفه ذاكرة أخلاقية للعالم تحاول أن تمنع تكرار الجرائم الكبرى التي ارتكبتها الدول والجيوش بحق البشر.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل الحرب المشتعلة في المنطقة وما تثيره من استقطاب عاطفي وسياسي، ليس سؤال الولاءات السياسية، بل سؤال أبسط وأعمق في آن واحد:
هل يختلف السلوك الإيراني في المنطقة عن السلوك الصهيوني من منظور القانون الدولي؟
الجواب يتطلب أولا فهم طبيعة الجرائم التي يتحدث عنها القانون الدولي نفسه.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع إنشاء محاكم نورمبرغ ثم لاحقا المحكمة الجنائية الدولية، تشكّل في القانون الدولي مفهوم الجرائم الأشد خطورة التي تهدد الإنسانية جمعاء.
وقد حدد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية عام 1998 أربع جرائم رئيسية تدخل في اختصاص المحكمة:
الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية، جرائم الحرب، وجريمة العدوان.
هذه الجرائم ليست مجرد توصيفات سياسية؛ إنها جرائم لا تسقط بالتقادم وفق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1968، وهو ما يعني أن ذاكرة الشعوب ليست ترفا عاطفيا، بل جزءا من منظومة العدالة نفسها.
حين ننظر إلى الواقع الإقليمي خلال العقدين الأخيرين، نكتشف أن المنطقة تحولت إلى مسرح واسع لهذه الجرائم.
لنبدأ بالمثال الأكثر وضوحا: غزة…
وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، بلغ عدد ضحايا الحرب الإسرائيلية على غزة خلال العام الأول وحده أكثر من 42 ألف قتيل و99 ألف جريح، في واحدة من أكثر الحملات العسكرية تدميرا في القرن الحادي والعشرين.
ثم ارتفعت حصيلة الضحايا إلى أكثر من اثنين وسبعين ألف شهيد وما يقارب مئة واثنين وسبعين ألف جريح منذ أكتوبر 2023، وفق وزارة الصحة في القطاع، فيما لا يزال آلاف المفقودين تحت الأنقاض.
وقد أدى القصف والحصار إلى انهيار شبه كامل للبنية المدنية، حيث دُمّر أو تضرر نحو تسعين بالمئة من البنية التحتية، وتعرض أكثر من 2.3 مليون إنسان لواحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في زماننا ..
هذه الوقائع، وفق معايير القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، تدخل بوضوح ضمن جرائم الحرب، بل ويذهب عدد متزايد من خبراء القانون الدولي إلى وصفها بأنها أفعال تحمل سمات الإبادة الجماعية.
لكن المأساة الكبرى لا تكمن فقط في هذه الجرائم، بل في الطريقة التي تُستَخدم بها هذه المأساة لتبرير جرائم أخرى.
ففي لحظة الغضب المشروع من الجرائم الصهيونية، ارتفعت أصوات عديدة تدعو إلى الاصطفاف مع المشروع الإيراني باعتباره الطرف الوحيد الذي يواجه إسرائيل.
غير أن قراءة أكثر هدوءا لتاريخ المنطقة القريب تكشف مفارقة قاسية:
إن كثيرا من الضحايا الذين يتضامنون اليوم مع غزة هم أنفسهم ضحايا المشروع الإيراني.
فمنذ سقوط بغداد عام 2003، فتح الغزو الأمريكي الباب لتحول جذري في ميزان القوى الإقليمي، سمح لإيران بتوسيع نفوذها عبر نموذج قائم على عسكرة السياسة الخارجية من خلال شبكة واسعة من الميليشيات العابرة للحدود.
في العراق وحده، تشير تقديرات دراسات دولية مثل مشروع Iraq Body Count ودراسات جامعة براون ضمن مشروع Costs of War إلى أن العنف الذي أعقب الغزو أدى إلى مقتل مئات الآلاف من العراقيين، بينما تسبب العنف الطائفي والحروب المتعاقبة في تهجير أكثر من أربعة ملايين عراقي داخليا وخارجيا خلال العقد الأول بعد الاحتلال، كان قسم كبير منهم من المناطق السنية التي تعرضت لعمليات قتل وتهجير على الهوية وثقتها تقارير حقوقية عديدة.
أما في سوريا، حيث تدخلت إيران وحلفاؤها عسكريًا بشكل مباشر منذ عام 2012 لدعم النظام، فقد تحولت البلاد إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث؛ إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد القتلى تجاوز نصف مليون إنسان، فيما بلغ عدد النازحين واللاجئين السوريين أكثر من 13 مليون شخص بين نازح ولاجئ.
وفي قلب هذه الكارثة، وثقت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 923 من العاملين في القطاع الطبي خلال النزاع، يتحمل النظام السوري وحلفاؤه مسؤولية نحو 90 بالمئة من هذه الهجمات، في واحدة من أكثر الحملات المنهجية استهدافًا للمنظومة الطبية في تاريخ الحروب الحديثة.
كما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 700 صحفي وإعلامي منذ عام 2011، في حين تعرض المئات للاعتقال أو الاختفاء القسري أو التعذيب، في محاولة منهجية لإسكات الشهود على الجرائم المرتكبة.
وفي اليمن، حيث سيطر الحوثيون المدعومون من إيران على العاصمة صنعاء عام 2014، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب أدت بشكل مباشر أو غير مباشر إلى مقتل ما يقارب 377 ألف يمني خلال السنوات الأولى من النزاع، بينما يواجه ملايين السكان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وقد وثقت تقارير حقوقية آلاف الانتهاكات ضد القطاع الصحي، من بينها أكثر من 4100 انتهاك خلال سنوات قليلة، إضافة إلى عشرات حالات القتل والتعذيب والإخفاء القسري بحق أطباء ومسعفين، في ظل انهيار واسع للبنية الصحية في البلاد.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ بل هي أقلّ مما هو مُتداول بين أهالي القرى والمُدن والبلدات البعيدة، إنها تشير إلى نمط متكرر من الانتهاكات:
القصف العشوائي، استهداف المستشفيات، التهجير القسري، التعذيب، والتغيير الديموغرافي.
وهي، وفق التعريف القانوني، أفعال تدخل ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وهنا تظهر المفارقة الأخلاقية الكبرى في الخطاب السياسي السائد:
أن كثيرا من الناس يُدفعون اليوم للاعتقاد بأن عليهم الاختيار بين مشروعين، وكأن أحدهما يمثل العدالة في مواجهة الآخر.
لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن الشعوب العربية وقعت في العقود الأخيرة بين مشروعين توسعيين مختلفين في الخطاب، متشابهين في السلوك.
الأول مشروع صهيوني قام تاريخيا على الإحلال السكاني وتهجير الفلسطينيين منذ عام 1948.
والثاني مشروع إيراني يقوم على تصدير الثورة وبناء شبكات ميليشياوية عابرة للدول.
كلا المشروعين، حين يُقرأ بمنظار القانون الدولي، ارتبط بسلسلة طويلة من الجرائم ضد المدنيين.
في مثل هذه اللحظات، يغدو السؤال الحقيقي ليس: من هو العدو الأقرب؟
بل: كيف نحافظ على ذاكرة الضحايا من أن تُستخدم وقودا لجرائم جديدة؟
العدالة تبدأ حين يرفض الإنسان أن يقبل الجريمة لأنها ارتكبت باسم قضية يعتقد أنها عادلة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم ليس فقط استمرار الجرائم، بل تبييض سجلات المجرمين تحت ضغط اللحظة السياسية.
إن الدفاع عن غزة لا يعني نسيان ضحايا حلب.
والغضب من جرائم الاحتلال لا يبرر التغاضي عن جرائم الميليشيات الإيرانية أو الممولة إيرانيا.
فالذاكرة الإنسانية، إذا قُسمت إلى ذاكرة انتقائية، تتحول إلى أداة جديدة للظلم.
لهذا فإن المقاربة الحقوقية، مهما بدت باردة وسط حرارة السياسة، تظل الأكثر صلابة:
توصيف الجريمة جريمة، مهما كان مرتكبها، ومهما كان خصمها.
لأن العدالة التي تُجزَّأ اليوم ستُستخدم غدًا لتبرير جرائم جديدة.
والشعوب التي تُطلب منها أن تنسى دماءها باسم معركة أخرى، لن تجد في النهاية إلا مزيدًا من الدماء.
ففي عالم تتصارع فيه المشاريع الكبرى على النفوذ والهيمنة، يبقى السؤال الأخلاقي الأبسط هو الأكثر صعوبة:
هل يمكن أن تكون دماء الضحايا قابلة للمقايضة؟
التاريخ يقول إن الجواب كان دائما: لا…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة