قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“المُتشبّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور” …
حديث نبوي قصير في لفظه، لكنه عميق في دلالاته، نافذ إلى جوهر أمراض القلوب في كل زمان، حتى كأنه قيل لهذا العصر خاصة، عصر المظاهر المتضخمة، والقدرات المستعارة، والإنجازات المؤجلة على دفاتر الديون.
المُتشبع هو الذي يظهر الشبع وليس شبعان..
يتزين بما ليس له،
ويستعير صورة ليست حقيقته. ..
لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم الكاذب فقط، بل قال كلابس ثوبي زور،
أي أنه لا يلبس كذبة واحدة، بل يلبس كذبتين، كذبة أمام الناس، وكذبة أمام نفسه…
وهذا هو أخطر أنواع الزور، أن يصدق الإنسان وهمه.
هذا الحديث لا يتحدث عن المال وحده، بل عن التوسُّع فيما لا يُطيق الإنسان، عن القفز فوق القدرة،…
وعن تحميل النفس ما لم تخلق له…
ولهذا جاء الإسلام بقاعدة جامعة: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”
فالوسع ليس فقرا ولا غنى، بل طاقة، نفسية ومالية وأخلاقية…
ومن تجاوز وسعه، عاش في صورة غير صورته، وتكلّف حياة ليست حياته.
في شق الدنيا، يُحذر الحديث من ثقافة التباهي بالاستهلاك، ومن سباق الناس إلى ما لا يحتاجون، ولا يملكون ثمنه، فيقسطون أعمارهم قبل أن يقسطوا أجهزتهم وأثاثهم وكمالياتهم…
فيشترون ليتشبعوا أمام الناس، لا ليستعملوا، ويتحول القسط الميسر إلى عبء نفسي ثقيل، لأن القسط لا يرهق الجيب فقط، بل يرهق القلب، ويكسر الطمأنينة، ويزرع المقارنة والحسد والقلق.
وهنا مكمن الخطر، أن يصبح الدين المالي وسيلة لبناء صورة اجتماعية، لا لحاجة حقيقية….
فيدخل الإنسان في دوامة: يقسط ليشبه غيره، ثم يعمل ليل نهار ليسدد، ثم يفقد بركة وقته وراحته، وكل ذلك لأجل صورة مؤقتة…
وقد قال بعض السلف: من طلب الغنى بما ليس عنده، أورثه الله فقرا في قلبه.
أما في شق الآخرة، فالحديث أعمق. لأن المُتشبّع بما لم يُعطَ، لم يرض بما قسم الله له، وكأن في فعله اعتراضا صامتا على القسمة، لا باللسان، بل بالسلوك.
والرضا هنا ليس ترك الطموح، بل ترك التظاهر، وترك مقارنة النعم، وترك قياس القيمة الذاتية بما في أيدي الناس.
ولهذا كان الزور في الحديث لباسا، لأن الزور يتزين، ولا يصرح والرياء لا يصرخ، بل يتجمل.
والمتشبع لا يقول أنا أفضل منكم، لكنه يلبس ما يوحي بذلك…
وهذه منزلة خطرة، لأنها تفسد النية، وتقتل القناعة، وتفرغ النعمة من معناها.
وليس في الحديث إدانة للتاجر، ولا للبيع بالتقسيط إذا كان ميسرا واضحا، فالإسلام دين يسر، والتقسيط في ذاته مباح…
لكن الإشكال حين يتحول التيسير إلى أداة تغذية للوهم الاجتماعي، وحين يصبح الشراء استجابة لضغط المقارنة لا لحاجة حقيقية…
وهنا تقع المسؤولية على الفرد أولا، أن يعرف وسعه، وأن لا يحمل نفسه ما لا تحتمل، وأن يتذكر أن الكرامة ليست في كثرة ما يملك، بل في صدق ما يعيش.
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“ليس الزهد أن لا تملك شيئا، ولكن الزهد أن لا يملكك شيء”
وهذا كلام لا يدعو إلى الفقر، بل إلى الصدق مع النفس…
ولا يدعو إلى الانسحاب من الدنيا، بل إلى عدم تزويرها…
لأن الإنسان إن عاش بثوب زور، تعب في الدنيا، وخفّ وزنه في الآخرة.
وفي زمن كثر فيه المُتشبّعون، يبقى الصادق بما عنده، ولو كان قليلا، أهدأ قلبا، وأقرب إلى الله، وأثقل ميزانا…
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة