ليس كل إنكار نابعا من خصومة، ولا كل جحود وليد حقدٍ صريح…
أحيانا يكون الإنكار أكثر بساطة… و أكثر قسوة…
أقرب الناس إلينا هم الأقدر على إطفاء نورنا لا لأنهم أشرار، بل لأنهم يعرفون أول السطر.. أصل الحكاية.. ونقطة البداية…
يعرفون من كنّا قبل أن نكبر، وقبل أن ننجح، وقبل أن تُصاغ لنا لغة مختلفة، أو تُكتب أسماؤنا خارج الدائرة الضيقة…
النجاح القادم من بعيد يُصفَّق له بسهولة …
أما النجاح الذي ينهض من نفس التراب، ومن نفس الحي، ومن نفس الطفولة…
فغالبا ما يُستقبل بالصمت، أو بالاستخفاف، أو بالتحييد البارد.
ذلك أن الاعتراف بتفوّق القريب ليس مسألة ذوق .. بل مسألة مقارنة قاسية:
اعترافٌ يضعنا، دون وعي، أمام سؤال مؤلم:
-لماذا تقدّم هو… وبقينا نحن حيث بدأنا؟
ولهذا قال غوستاف لوبون: إن الإنسان لا يخشى تفوّق الغريب بقدر ما يخشى تفوّق النظير …
– لأن الغريب لا يُهدد صورة الذات، أما النظير فيكسرها…
هذه القاعدة ليست جديدة، ولا محصورة بزمن أو ثقافة.
القرآن نفسه أشار إليها دون مواربة:
{وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قريةٍ من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة}
فالرفض لم يكن لأن الرسالة باطلة، بل لأن حاملها واحد منهم…
ولهذا قال المسيح عليه السلام:
«ليس نبيّ بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه»
وقالها الإسلام قبل ذلك بعمق أشد حين واجه النبي ﷺ أقسى أنواع الرفض من قومه لا من الغرباء .. حتى قال له عمّه:
{تَبًّا لك ألهذا جمعتنا؟}
لم يكن الإنكار لأن الرسالة غامضة …
بل لأن حاملها خرج من الصف نفسه… ثم تقدّم خطوة.
والأمر لا يتوقف عند الأنبياء….
تأمّل سِيَر العلماء والمفكرين والفلاسفة …
كم واحد منهم لمع خارج موطنه قبل أن يُعترف به في بيئته الأولى؟
ابن سينا طار فكره شرقا وغربا
والبخاري جاب الأمصار ليُؤخذ عنه ..
ودافنشي لم يجد تقدير عبقريته إلا حين غادر بلده..
وكأن القاعدة الخفية تقول:
كلما ابتعدتَ جغرافيًا… اقترب الناس من تقييمك بإنصاف.
حتى داخل البيوت تتكرّر الظاهرة…
قد يكون الرجل مؤثّرا في آلاف العقول …
لكن صوته لا يُسمع في غرفة المعيشة !
قد تُقرأ كتبه بلغات عدة ..
بينما يُعامل في بيته كأنه رأيٌ قديم لا يصلح لزمن جديد…
قال الإمام الشافعي:
«من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه، ومن وعظه علانية فقد فضحه»
لكن كثيرًا من القريبين لا يريدون نصحك أصلا…
هم فقط يريدون إبقاءك في مكانك القديم….
ليست المشكلة فيك دائما، ولا في قلة إخلاصك،
بل في أن بعض الناس لا يحتملون أن يتغيّر موقعك بينما ظلّ موقعهم ثابتا.
ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
«قيمة كل امرئ ما يُحسنه»
لا ما يعرفه الناس عنه قديما ..
الخلاصة ليست دعوة للقطيعة، ولا تبريرا للجفاء،
بل تحريرٌ للنفس من انتظار الاعتراف في المكان الخطأ.
فمن الحكمة أن تفهم أن بعض التقدير لا يُطلب… بل يُصادَف.
وأن بعض الاعتراف لا يأتي من الأقرب،
بل من الأبعد الذي لم يشهد ضعفك الأول… فاكتفى بأن يرى ثمارك ويُقدّر الجودة.
وفي النهاية، ليس بمطلوب منك أن تغيّر الناس، بل أن تغيّر مكان وقوفك أمامهم.
فمن جعل اعتراف القريب شرطا لسلامه،
ربط روحه بسلسلة لا تُفك….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة