تعلّم أن تُخفِّف يدك من الناس، لا قسوة ولا جفاء ولا تكُبّرا ولا غطرسة، بل حكمة يكتسبها المرء من الخسارات لا من الكتب ..
أن تُمسك قلبك كما يُمسك أحدهم إناءً من زجاج، لا يضعه في كل يد، ولا يتركه في كل مكان.
ليس لأن الناس أشرار بالضرورة، بل لأنهم بشر… والبشر يضعفون، ينسون، يتنكّرون لتضحياتك .. يتراجعون، ويغيبون حين تشتد الحاجة.
أوجع ما في التجربة الإنسانية ليس الخذلان الصريح، بل ذلك الصمت الذي يأتي بعد العطاء الطويل…
أن تكتشف متأخرا أنك كنتَ أكثر حضورا مما ينبغي
وأكثر سخاءً مما يحتمل التوازن
وأكثر إيمانا بفكرة “نحن”
في عالمٍ يعيش بمنطق “كلٌّ لنفسه” ساعة الشدة…
كنتَ هناك… حين احتاجوا كتفا ..
حين ضاقت بهم الطرق … حين ثقل الحِمل،
حين انهاروا بصمت ..
ولم تُحصِ ذلك عليهم، ولم تُسجّل الجميل، لأنك ظننت أن القُرب لا يُوثَّق،
وأن المعروف لا يُنسى…
ثم جاء يومك… فوجدت الطريق أقصر مما توقعت .. والظهور أسرع،
والذاكرة أفقر، والقلوب أقل وفاءً مما ظننت…
وهنا لا تُلام، ولا يُلامون وحدهم.
فالخطأ غالبًا لم يكن في الناس، بل في أنك وضعتهم في موضعٍ لا يُطيقونه،
وحمّلتهم معنى لم يطلبوه،
وانتظرت منهم ثباتا لا يملكه إلا من ذاق الامتحان ذاته….
قال تعالى:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾
ولم يكن هذا توجيهًا تعبديًا فحسب، بل قاعدة نجاة نفسية…
فالذي لا يموت لا يَخذِل، والذي لا يتغير لا يُخيّب أملك ..
والذي بيده القلوب لا يُفاجؤك بانسحاب….
خفّف يدك من الناس … لا بمعنى أن تُنكر العشرة ..
ولا أن تمحو الذكريات .. بل أن تُعيد كل شيء إلى حجمه الحقيقي.
أن تترك المعروف معروفا، لا دَينا.
والمحبة محبة، لا عقد التزام…
والقرب قربا، لا رهنا دائما…
لا تجعل أحدًا هو آخر جدار تتكئ عليه، ولا آخر صوت تسمعه حين تنكسر ..
ولا آخر يد تتمسّك بها في العتمة…
فكل يدٍ بشرية قد تُفلت…
أما اليد التي فوق كل يد، فلا تُفلت أبدا…
النجاة ليست في كره الناس، بل في ألا تُسلمهم مفاتيح روحك…
وفي ألا تجعل قلبك ساحة مفتوحة بلا حراسة….
وفي أن تتعلّم، متأخرا إن لزم، أن السلام الحقيقي لا يُستعار من أحد،
بل يُبنى داخلك، حين تصالح وحدتك،
وتُحسن الظن بالله أكثر مما تُحسن الظن بالبشر…
وحين تغسل يدك من الناس، اغسلها بهدوء، لا بغضب، ولا بشماتة،
ولا بمرارة….
اغسلها كما يُغسل الجرح قبل أن وضع الضمادات، وكما يُغلق الباب آخر الليل
لا لأن من في البيت يكره من يسكنون خارجه .. بل لأنه يحتاج الأمان.
فليس كل انسحاب هزيمة، ولا كل ابتعاد خسارة…
بعض المسافات رحمة، وبعض القطيعة وعي، وبعض الصمت عبادة خفية
تحفظ لك قلبك… ليظل صالحًا للحياة …
وصالحًا للحب
حين يأتي أهله…
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة