الطابور الخامس في الكويت

قبل أحد عشر عامًا، حين كتبتُ عن الطابور الخامس في الكويت، قيل لي يومها: تبالغين يا أخت إحسان….
واليوم لا أحتاج إلى جدل طويل، لأن البيان الرسمي نفسه يتكلم…
وزارة الداخلية الكويتية أعلنت ضبط جماعة إرهابية مرتبطة بحزب الله المحظور، تضم 14 مواطنا كويتيا ولبنانيين اثنين، مع مخطط تخريبي منظم، وأسلحة وذخائر وطائرات مسيّرة وأجهزة اتصالات مشفرة وخرائط ومبالغ مالية ومواد مخدرة…

هذه ليست هواجس كاتب، ولا انفعال لحظة، بل وقائع أمنية صريحة.

القضية هنا ليست شهوة تسجيل موقف على خصوم سياسيين، ولا استثمارا في الخوف، بل دفاع عن معنى الدولة….
فالدولة لا تسقط فقط بصاروخ يعبر حدودها، بل قد تُستنزف من الداخل بخلايا تتخفى في المجتمع، وتتحرك بهدوء، وتنتظر لحظة الفوضى…

أخطر ما في الطابور الخامس أنه لا يعلن نفسه دائمًا بصفته عدوّا، بل يتسلل تحت عناوين الالتزام، أو المظلومية، أو العمل الخيري، أو الخطاب الأيديولوجي، ثم يتبين عند الامتحان أن ولاءه النهائي ليس للكويت، بل لمشروع خارج الكويت.

ومن يراجع المشهد بإنصاف يدرك أن ما حدث اليوم ليس حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة مقلقة….

– ففي 2015 كُشفت “خلية العبدلي” بعد العثور على مخازن أسلحة ومتفجرات، ثم صدرت في 2017 أحكام على متهمين في القضية بتهم شملت حيازة أسلحة والتخطيط لأعمال عدائية ضد الكويت، وربطت القضية بإيران وحزب الله.

– وفي 2021 ظهرت أيضًا تحقيقات كويتية بشأن خلية يُشتبه في تورطها بتمويل حزب الله.

من حق القارئ بعد كل هذا أن يسأل: كم مرة يجب أن تتكرر الإشارة حتى يكف البعض عن تسميتها مبالغة؟!

إن أخطر ما يُصيب الوعي الوطني أن يتعامل مع كل واقعة منفصلة كأنها خبر عابر، لا كجزء من نمط….
والنمط واضح:
– تجنيد، تمويل، تخزين، اتصالات مشفرة، ومساعٍ لزعزعة الاستقرار…
– وحين يتكرر النمط، يصبح الإنكار نفسه جزءًا من المشكلة…

فليس كل من حذّر كان متشددًا، وليس كل من سكت كان حكيمًا.
أحيانًا يكون التحذير المبكر هو أعلى درجات الوفاء للوطن، ويكون التهوين أخطر من الخطر نفسه.

الكويت أكبر من أن تُترك نهبًا للشبكات السرية، وأكرم من أن تُختزل في ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين….
والواجب اليوم ليس إثارة الذعر، بل تثبيت البوصلة:
– لا تعاطف مع تنظيم مسلح خارج الدولة..
-لا تبرير لولاء يتجاوز الوطن …
– لا تساهل مع من يحول الأوطان إلى منصات لمشاريع الآخرين…

لقد آن أوان التمييز الحاسم بين التنوع الاجتماعي المشروع، وبين الاختراق التنظيمي المدفوع من الخارج…
فالمعركة ليست مع طائفة، ولا مع جماعة من الناس بسبب أسمائهم أو أصولهم، بل مع كل من يربط مصير الكويت بإرادة تنظيم محظور أو دولة أخرى…

هذه هي القاعدة العادلة، وهي أيضا القاعدة الوحيدة التي تحمي الدولة من الانزلاق إلى فوضى الاتهام الأعمى.

من قبل قيل لي: مبالغة… واليوم تقول الوقائع: كان الخطر يتكلم، لكن بعضهم لم يُرِد أن يسمعه….

يا أهل الكويت، يا أهل الخليج العربيّ:
لا تسمحوا لأحد بأن يعبث بأمن بلادكم ثم يطلب منكم الصمت باسم الحكمة…
فالحكمة الحقيقية هي أن نحمي أوطاننا قبل أن نُجبر على البكاء عليها….
وأن نفهم أن الوطن إذا انكسر، لا يجبره الكلام….

اللهم احفظ الكويت والأردن ودول الخليج من الخيانة قبل العداوة، ومن الاختراق قبل الانفجار، ومن كل يدٍ تريد ببيوتنا عبثا وبأوطاننا خرابا…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

أيُّهما الأخطر على الأُمّة … المشروع الصهيوني أم المشروع الإيراني ؟!

سؤال مُتكرّر فاسد في أصله ..! في لحظات الاضطراب الكبرى، لا يُختبر وعي الإنسان بما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *