إقامة المستوطنات الإسرائيلية على الأراضي العربية سلاح استراتيجي يستخدمه الكيان الإسرائيلي بشكل استعماري ممنهج لإحداث تغيير ديمغرافي على الأرض تمهيدًا للسيطرة الكاملة، مستندًا إلى تفسيرات تلمودية بالأرض الموعودة، ولذا تعتبره الأحزاب اليمينية في الداخل الإسرائيلي وصية توراتية غير خاضعة للتفاوض.
الاحتلال يمول المستوطنات بسخاء باعتبارها قاطرة المشروع الصهيوني التي تسير جنبا إلى جنب مع القوة العسكرية، ويستخدم تصدير إنتاجها الزراعي والصناعي في تبييض وجهه عالميًا، إضافة إلى أن الاستيطان يحظى بدعم الدول الراعية والداعمة للكيان الإسرائيلي وعلى رأسها الولايات المتحدة.
الاستيطان الإسرائيلي يعمل وفق مبدأ “الواقع يفرض نفسه”، فتزحف المستوطنات خطوة خطوة دون إعلان رسمي، فتغدو أي أرض تقام عليها مستوطنات نقطة ارتكاز لمزيد من التوسع.
وعندما يثار الحديث عن المستوطنات الإسرائيلية يتبادر إلى الذهن أن المعني بها المستوطنات التي تقام على الأراضي الفلسطينية، لكن هناك أرض عربية محتلة يرتع فيها الاستيطان منذ عقود ولا يتم تسليط الضوء عليها كما ينبغي، إنها أرض الجولان السورية المحتلة.
قبل احتلال الجولان، بلغ عدد سكانه 147 ألف نسمة على 346 قرية إضافة إلى القنيطرة عاصمة الجولان، وهجّر الاحتلال منهم بالقوة 138 ألفًا إلى الداخل السوري، ولم يتبق من المناطق السكنية سوى خمس قرى بمجموع سكان لا يتعدى ستة آلاف نسمة
بعد أن تم تفريغ الجولان من السوريين وتدمير الهوية السكانية والعمرانية، أقام الاحتلال مستوطناته والتي وصلت حتى الآن إلى 35 مستوطنة من شمال الجولان إلى جنوبه، واستقدم المستوطنين اليهود، وجعل يضاعف عدد الوحدات السكنية في الجولان المحتل والذي تعرض لسيطرة الاحتلال على ثرواته الطبيعية.
في إطار اتفاقية فصل القوات عام 1974، عاد ما يقرب من ستين كيلو مترًا فقط من الجولان المحتل إلى السيادة السورية، لكن بقيت المساحة الأكبر والتي تقدر بـ 1200 كم2 تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، أقيمت عليها عشرات المستوطنات.
وبعد سقوط نظام بشار في نهايات 2024، أعلن الاحتلال انهيار اتفاقية فصل القوات المبرمة بين الجانبين عام 1974 وقام باحتلال المنطقة السورية العازلة.
لكن يبدو أن سوريا الجديدة بعد الإطاحة بنظام بشار على موعد مع زحف استيطاني جديد، باتجاه الداخل السوري، ففي هذا السياق، تسلل عشرات من المستوطنين اليمينيين من حركة “رواد الباشان” الاستيطانية الأربعاء، مسافة خمسمائة متر إلى قرية حضر في جبل الشيخ جنوبي سوريا، واعتلوا مبنى ولوحوا من فوقه بالعلم الإسرائيلي، بينما أعلن جيش الاحتلال إعادتهم واستكمال الإجراءات القانونية بحقهم.
وحركة رواد الباشان منظمة استيطانية تنتمي لليمين الإسرائيلي المتطرف تأسست في أبريل/نيسان 2025، وتهدف إلى توطين اليهود في الجنوب السوري وتنشط عبر اقتحام الحدود في منطقة القنيطرة ووضع أحجار أساس رمزية بدعم من الجيش الإسرائيلي وشخصيات يمينية متطرفة، ووفقا لمعتقداتها التوراتية تعتبر الجولان وجنوب سوريا جزءًا من أرض إسرائيل الكبرى.
وقد أفاد الصحفي الإسرائيلي إيتاي بلومنتال أنه ليست هي المرة الأولى التي عبرت فيها المجموعة الحدود، ولم يسبق أن صدرت أية إدانة لها من قبل نتنياهو أو وزير الدفاع يسرائيل كاتس.
وعلى الرغم من أن جيش الاحتلال قد أعلن مرات عديدة تسلل هذه العناصر إلى الجنوب السوري، إلا أنه لم يتخذ بحقها أية إجراءات، وحتى عندما يدين فليس من أجل أن السلوك يعد اعتداء على سيادة دولة أخرى، وإنما يعلل ذلك بأنه ينطوي على تعريض حياة الإسرائيليين وقوات الجيش للخطر.
وتأكيدًا على أن هذا الاقتحام يأتي في سياق زحف استيطاني ممنهج، نشرت المجموعة صورة على موقع إكس تظهر عناصرها على سطح المبنى، مرفقة بعبارة “من دون استيطان المدنيين فإن حتى الوجود العسكري لن يصمد على المدى الطويل، نحن هنا إلى أن تتم الموافقة على دخول عائلاتنا للعيش هنا”.
ولا يمكن عزل عمل هذه المجموعات عن حلم السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من الوطن العربي من بينها سوريا، ولم يعد هناك مجال لنفي فكرة دولة إسرائيل الكبرى، ولم يعد هناك مجال للقول بأنها ديباجة استخدمها أساطين الصهيونية كضرورة تأسيسية أو أنه لا وجود لها إلا في أحاديث الحاخامات، فالحديث عن هذا الحلم صبغ تصريحات النخب السياسية خاصة الحكومة اليمينية المتطرفة التي تمسك بزمام الأمور.
سوريا حاضرة في هذا الحلم الإسرائيلي، ليس بدلالة خارطة الشرق الأوسط الجديد التي يرفعها نتنياهو في كل مناسبة فحسب، فهناك غيره من النخب السياسية يصرح بهذا الحلم، أمثال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، والذي صرح في مقابلة مع قناة إسرائيلية وكان حينها عضوا في الكنيست: “حدود القدس يجب أن تمتد حتى العاصمة السورية دمشق، وإن على إسرائيل الاستيلاء أيضا على الأردن”.
ويؤكد على ذلك بعد توليه منصبه الحالي خلال زيارته باريس عندما وقف على منصة عليها خارطة لأرض إسرائيل الكبرى المزعومة وفي القلب منها سوريا، والأدلة كثيرة ليس هذا مجال حصرها.
إن مواجهة الحكومة السورية الجديدة لهذا الزحف الاستيطاني المتدرج مرهونة بملف آخر أكثر تعقيدًا، وهو النزعة الانفصالية في السويداء التي يغذيها الاحتلال، فعلى الرغم من أنه ليس لها حدود مباشرة مع الجولان المحتل، إلا أن هناك امتدادا اجتماعيا وثقافيا وسياسيا لدروز الجولان في السويداء التي تعمل فيها جماعة حكمت الهجري على رفض كل محاولات انضواء الجنوب تحت راية حكومة مركزية في دمشق، والمناداة بحكم ذاتي وإقامة دولة موالية للكيان الإسرائيلي.
حكومة الشرع تتعامل مع ملف الدروز في الجنوب بحكمة وروية، لكن لابد لها مع ذلك من استقطاب التيار المعارض لسياسة حكمت الهجري في الطائفة الدرزية نفسها، فهناك شخصيات ثقيلة في هذا التيار ترى عدم الخروج عن السياق الوطني أبرزهم القائد الدرزي ليث البلعوس زعيم قوات شيخ الكرامة، فالتلاقي مع هذا التيار ودعمه يضعف هيمنة القيادات والعناصر التي ترفض الاندماج والانضواء تحت راية حكومة مركزية في دمشق.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة