ليست كل الشرارات أيديولوجيا، بعض الشرارات “رغيف” لا يؤكل طازجا، أو دواء في الرفوف العلوية لا تستطيع اليدّ إليه وصولا، أو عُملة تهوي حتى يصبح “الراتب الشهري” حكاية قديمة لا تكفي يومين أو ثلاثة ..
ما حدث أخيرا في إيران يشي بأن الاقتصاد عاد بوابة للاحتجاج، لا لأنه أشرف من السياسة، بل لأنه أكثر ما يفضحها أمام الناس:
الأرقام لا تجامل، وسعر الصرف لا يعرف الصبر من أجل المصلحة العُليا للوطن!
أول ما يلفت النظر أن التحرك انطلق من طبقة التجار وإغلاق محال في طهران، وبينها بازار طهران الكبير، بالتوازي مع تذمر في مدن أخرى بعد تراجع قيمة الريال وتسارع موجة الغلاء…
هذا ليس تفصيلا هامشيا، لأن البازار في الذاكرة الإيرانية ليس سوقا فقط، بل مركز نفوذ اجتماعي ورافعة تمويل وتحريك منذ عقود، وحين يغلق “قلب التجارة” أبوابه فهذه رسالة سياسية بلسان اقتصادي.
ثم إن رد فعل الدولة هذه المرة لافت: حديث رسمي عن “الحوار” مع قادة الاحتجاجات، واستقالة رئيس البنك المركزي وفق ما نقلته رويترز…
عندما تصل الدولة إلى لحظة تقول فيها “نريد حوارا” فذلك يعني أن الضغط لم يعد مجرد منشورات واحتجاجات ومطالب، بل بات وقائع في الشارع والسوق معا.
لكن الأخطر في المشهد ليس حجم التظاهر وحده، بل قابليته للتوسع رأسيا وأفقيا:
رأسيا: من مطلب المعيشة إلى سؤال الشرعية والكفاءة….
أفقيا: من مركز العاصمة إلى الأطراف، ومع كل امتداد جغرافي تخرج “الحساسيات الهوياتية” من تحت السطح، لا لأن الناس تريد التقسيم بالضرورة، بل لأن الدولة نفسها قامت تاريخيا على توازنات قومية وإثنية دقيقة، وأي انهيار اقتصادي طويل يجعل كل طرف يسأل: من يدفع الثمن ومن يقبض الثمن.
وهنا نقطة تحتاج وعيا باردا:
التدخل الخارجي في إيران سلاح ذو حدين…
نعم، قوى كثيرة ترى مصلحتها في إنهاك النظام، لكن الذاكرة الإيرانية تحمل “جرحا مؤسسا” اسمه 1953، حين أطاح انقلاب مدعوم أمريكيا وبريطانيا بحكومة محمد مصدق بعد أزمة تأميم النفط، وهي قصة صارت جزءا من الوعي السياسي الإيراني ومخاوفه من أي يد خارجية.
لذلك قد يتحول أي تصريح أمريكي متحمس إلى هدية مجانية للسلطة كي تقول للناس: “هذه فتنة مستوردة” !
الخلاصة التي يمكن أن تكتب اليوم بوضوح:
ما يجري في إيران ليس لوحة واحدة… هو اشتباك بين اقتصاد ينهار، وطبقة تجار تضغط، وشباب يريد معنى لحياته غير طوابير الغلاء، وسلطة تحاول أن تشتري الوقت بين الأمن والتهدئة….
وبعض من حول إيران يتمنى أن يقطف النتيجة دون أن يدفع الفاتورة.
أما نحن كمتابعين عرب، فالحكمة ألا نغرق في نشوة سقوط الخصم، ولا في رومانسية ثورة جاهزة، لأن إيران ليست خبرا عاجلا، بل دولة مركبة، وكل زلزال فيها ترتد أصداؤه على الإقليم كله.
غير أن هذا الوعي لا يعني حيادا أخلاقيا، ولا نسيانا للدم العربي الذي سال بفعل المليشيات الممولة إيرانيا في سوريا والعراق واليمن ولُبنان، حيث قُتل ملايين المسلمين، واستبيحت مدن، وهُجّرت شعوب، وذبح أهل السنة على الهوية السُنية، تحت شعارات زائفة برّرت مشروعا مُحمّلا على رأس طائفي عابر للحدود…
هذه الجرائم ليست تفصيلا، ولا يمكن شطبها من الذاكرة باسم الواقعية السياسية أو الخوف من الفوضى…
والعارف بالسياسة لا يكتفي بوصف النار، بل يسأل: من الذي أشعلها، ومن الذي غذّاها بالمال والسلاح، ومن الذي دفع ثمنها من دم الأبرياء…
فالعدل لا يتجزأ، والدم لا يسقط بالتقادم، ولا يصنع الوعي الحقيقي من يبرر الجريمة بحجة التوازن، ولا من يحتفل بالانهيار دون أن يسأل عن الكلفة الإنسانية والأخلاقية لما بعده.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة