الأردن وسلطة الميزان: الحكمة في التعامل مع خلاف الأشقاء

في لحظات التوتر بين الأشقاء، لا تُقاس الدول بمقدار تلاعبها وصيدها بالماء العكِر وركوب أمواج الرعاع والغوغاء، بل بقدرتها على تثبيت الميزان حين يختل، وعلى صيانة الجسور حين تهتز، وعلى التمييز بين الموقف والمخاصمة، وبين الحزم والقطيعة….
وهنا تحديدا، يظهر موقع الأردن لا بوصفه طرفا في نزاع، بل بوصفه دولة تعرف معنى الأخوّة السياسية، وحدود الحكمة، وثقل الجغرافيا.
الموقف الأردني من التطورات الأخيرة في اليمن لم يخرج عن هذا الإطار، ولم ينزلق إلى لغة الاصطفاف الحاد، ولا إلى خطاب الشماتة أو الإدانة المتسرعة، بل جاء مُنسجما مع مدرسة الدولة التي ترى أن الخلاف بين الأشقاء لا يُدار بالتصعيد الإعلامي، وإنما بضبط النفس، واحترام الوقائع، وتغليب منطق الحل السياسي.

حين رحّبت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين بالبيان الصادر عن المملكة العربية السعودية، وأكد الناطق الرسمي باسم الوزارة السفير “فؤاد المجالي” دعم الأردن للجهود التي تقودها السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لتعزيز الأمن والاستقرار في اليمن، لم يكن ذلك موقفا حياديا باردا، ولا مجاملة دبلوماسية، بل تعبيرا عن إدراك أردني عميق لطبيعة الأزمة وتعقيداتها، ولمركزية الدور السعودي فيها.

#الأردن يدرك أن أمن اليمن لا ينفصل عن أمن #السعودية، وأن استقرار الجوار ليس شعارا بل ضرورة استراتيجية، وأن أي حل سياسي لا يقوم على وحدة اليمن وسلامة أراضيه لن يكون سوى هدنة مؤقتة قابلة للانفجار.
ومن هنا جاء تشديد السفير فؤاد المجالي على أهمية تضافر الجهود العربية والدولية للتوصل إلى حل سياسي شامل يرفع المعاناة عن الشعب اليمني، ويحفظ سيادته، ويضمن استقرار الإقليم بأكمله.

في الوقت نفسه، لم يغفل الموقف الأردني تثمين حرص قيادتي السعودية والإمارات على أمن اليمن واستقراره، والإشادة بحكمتهما في معالجة الأوضاع، وهو تثمين لا ينفي وجود تباينات، لكنه يضعها في إطارها الصحيح: خلاف بين أشقاء، لا صراع كسر عظم.
الأردن، بحكم تجربته السياسية وموقعه الإقليمي، يعرف أن التحالفات لا تُقاس بلحظة توتر، وأن الدول الكبيرة لا تُختزل في حادثة أو بيان، وأن إدارة الخلاف أحيانا تكون أكثر أهمية من الخلاف نفسه.
كما يعرف أن تحويل أي تباين سعودي إماراتي إلى مادة للتحريض، أو منصة للشماتة، أو فرصة لتصفية الحسابات الأيديولوجية، هو خدمة مجانية لأطراف لا تريد لليمن الاستقرار، ولا للمنطقة التوازن.

ومن هذا المنطلق، فإن ما يجب أن تنتهجه الأردن في هذه المرحلة ليس رفع الصوت، ولا الدخول في سجالات إعلامية، بل الاستمرار في لعب دوره الطبيعي:
دعم الشرعية اليمنية، الإسناد السياسي للمسار الذي تقوده السعودية، التشديد على الحل السياسي الشامل، وحماية وحدة الصف العربي من التفكك.

الأردن ليس دولة تبحث عن بطولة كلامية، ولا عن تصدر مشهد متوتر، بل دولة تعرف أن المروءة في السياسة هي أن تقول الكلمة الصحيحة في الوقت الصعب، وأن الفروسية الحقيقية هي أن تبقى الجسور قائمة حتى في ذروة الخلاف.
والأردن، وهو يعلن بوضوح دعمه لحفظ أمن المملكة العربية السعودية وجوار اليمن، إنما يعبر عن قناعة راسخة:
أن السعودية ليست مجرد طرف في أزمة، بل هي ركيزة توازن إقليمي، وأن أي معالجة جادة للأزمة اليمنية لا يمكن أن تتجاوز هذا الدور أو تقلل من مركزيته.

في زمن تكثر فيه الأصوات التي تصرخ، يختار الأردن أن يتكلم بلغة الدولة.

وفي زمن تستسهل فيه بعض الأطراف شيطنة هذا الطرف أو ذاك، يصر الأردن على خطاب الأخوّة والمسؤولية.
وفي زمن تُختبر فيه الأعصاب، يثبت أن الحكمة ليست ضعفا، بل أعلى درجات القوة.

هكذا يتحدث الأردن، وهكذا يجب أن يبقى:
قريبا من السعودية بثقة، محترما للإمارات دون خصومة، منحازا لليمن كوطن وشعب، لا كساحة صراع، ومؤمنا بأن الخلاف بين الأشقاء لا يُحل إلا بأدوات الأشقاء.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما ..

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما .. كما أنّ ليست كل امرأة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *