احذروا من يتغذّون على نبش القبور.. !

احذروا من يتغذّون على نبش القبور.. !

في كل مرحلة تهدأ فيها العواصف وتستعيد الدول عافيتها وتُعيد ترتيب علاقاتها يظهر من يُصِرّ على نبش ما انتهى واستدعاء ما طوي لا بحثا عن حق ولا حرصا على حقيقة بل شغفا بالفتنة وعجزا عن العيش خارج مناخ الصراع…

ومن أخطر ما نراه اليوم تلك الحسابات التي تعود لتذكير الإخوة في قطر بمرحلة المقاطعة أو الحصار أو الأزمة الخليجية 2017 ، بعد أن تجاوزتها الدول بعقل الدولة لا بعاطفة الغضب وبعد أن أُغلِقت بقرار سياسي واع ومسؤول لا بضغط ولا بإكراه.

تلك المرحلة مرت بكل ما حملته من ألم واختبار لكنها لم تكن قدرا أبديا ولا لعنة تاريخية بل كانت خلافا سياسيا بين إخوة وأبناء عمومة وجيران…

وقد طويت الصفحة لأن استمرارها كان سيكلف الجميع أكثر مما يكسب أي طرف…

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين من يفهم السياسة باعتبارها إدارة للمصالح وحماية للاستقرار وبين من يحول الخلاف إلى هوية ويجعل الخصومة مشروعا دائما.

الصلح ينطوي دائما على خير.. ولم يكُن يوما ضعفا أو دليل عجز.. أما إعادة الخصومة بعد الاتفاق فليست فضيلة ولن تكون…

وفي ذلك ميزان دقيق يغيب عن كثير ممن يتقنون الصراخ والشتم والشيطنة والتخوين والصيد بالماء العكِر وصبّ الزيت على النار ولا يُحسنون قراءة العواقب.

فالصلح في منطق الدول لا يعني إنكار ما جرى بل يعني إدراك أن استمرار النزاع أفسد من الاعتراف به… وأن الحكمة تقتضي الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التماسك.

في التراث الإسلامي كان التحذير شديدا من إحياء الفتن بعد خمودها لأن الفتنة إذا أوقظت لا تميز بين من أشعلها ومن احترق بها…

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه :

“إياك وإعادة الخصومة بعد الصلح فإنها تفسد الود القديم”

وهذا القول لا يخص الأفراد وحدهم بل ينطبق على الجماعات والدول والعلاقات بين الشعوب.

أما في الفكر السياسي الحديث فإن من يعيدون فتح النزاعات بعد تسويتها يعرفون بأنهم صُناع النزاع المتأخر وهم أخطر من الخصوم وقت الخلاف لأنهم يقتاتون على الجرح المفتوح ويفقدون قيمتهم إن التأم.

وجودهم مرتبط بالفوضى وصوتهم يعلو فقط حين يسكت العقلاء.

فاحذروهم !

من المؤسف أن بعض هؤلاء يتسترون بشعارات أخلاقية أو خطاب ديني أو ادعاء الغيرة بينما هم في الحقيقة يمارسون نميمة سياسية لا تختلف في جوهرها عما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لا يدخل الجنة نمام…

فالذي ينقل خصومة بين شخصين ليشعلها لا يختلف عن الذي ينقل خصومة بين دولتين ليعيد إشعالها بعد أن انتهت.

إن من يذكر اليوم بحصار قطر لن يتوقف عندها وسيذكر غدا بأي خلاف قديم بين أي بلدين مسلمين لأن مشروعه ليس موقفا سياسيا ولا رؤية إصلاحية بل ديمومة الخصام.

هو لا يعيش إلا في ظل الانقسام ولا يعرف لنفسه دورا خارج التحريض.

أما الدول فليست كيانات انفعالية. تخطئ وتراجع وتتصالح لأنها حين تفعل ذلك تنظر إلى الاستقرار بوصفه خيار الكبار.

تدرك أن الجغرافيا لا تتغير وأن الدم والدين والمصير المشترك أثقل من لحظة غضب أو خلاف سياسي مهما كان قاسيا.

لهذا فإن التحذير واجب من الانجرار وراء هذه الحسابات ومن التحول إلى أدوات لإعادة إنتاج فتن دفنتها المصالح والعقل والتجربة.

فالفتنة إذا نفخ فيها لا تسأل عن نيات أصحابها بل تلتهم الجميع.

نحن أحوج ما نكون اليوم إلى خطاب إصلاحي لا تحريضي وإلى وعي يجمع ولا يفرق وإلى ذاكرة سياسية تتعلم من الأخطاء دون أن تجعلها سلاسل تشدنا إلى الخلف.

ومن أراد الخير لهذه الأمة فليكن جسرا لا معولا وليكن صلة وصل لا صدى خصام.

والله من وراء القصد.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لماذا تَمدّد النفوذ الإيراني؟ !

– لأن التراخي جزء من الرحلة ! ليست كل المشاريع التوسعية عظيمة في ذاتها، لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *