الخلاف الخليجي: بين ضرورة النقد وخطورة الشماتة

في كل مرة يظهر فيها تباين أو توتر بين دولتين عربيتين، يخرج من تحت الركام صوت ثالث لا علاقة له بالإصلاح ولا بالحرص على رأب الصدع او توحيد الصفوف، صوت لا يرى في الخلاف إلا فرصة للشماتة، ولا يفهم السياسة إلا بوصفها حلبة تشفٍّ، ولا يقرأ التاريخ إلا من ثقب الكراهية.

ما يجري بين السعودية والإمارات – أيا كانت تفاصيله أو خلفياته – ليس مناسبة للاحتفال بسقوط أحد، ولا فرصة لتصفية حسابات قديمة، ولا ساحة لتبادل الشتائم وكأننا أمام خصمين لا يجمعهما تاريخ ولا دم ولا مصير.

الخلاف بين الدول أمر طبيعي، بل حتمي، خصوصا حين تكون الدول فاعلة لا هامشية، ومؤثرة لا تابعة…

أما غير الطبيعي، فهو تحويل الخلاف إلى كسر عظم علني، أو إلى منصة لتشويه العلاقات، أو إلى مادة للخطاب العدائي الذي لا يخدم إلا الخصوم الحقيقيين للمنطقة…

لقد أثبتت تجربة دول مجلس التعاون، رغم كل ما اعتراها من اهتزازات، أن الكتلة الإقليمية حين تتماسك، تقل كلفة الأخطاء، وحين تتفكك، يدفع الجميع الثمن..

هذه ليست عاطفة، بل درس سياسي تكرّر في كل مناطق العالم التي فقدت توازنها بسبب تفكك أطرها الجامعة.

قال ابن خلدون: “إن العصبية إذا تفككت، لم يبق للدولة إلا الاسم..”..

*والخليج، مهما اختلفت دوله، لا يعيش بالاسم، بل بالفعل المشترك..

الاختلاف لا يعني القطيعة، وانتقاد نهج الإمارات في ملفات كثيرة لا تُعجبنا لا يُبرر الشماتة..

نعم، يمكن – بل يجب – الإشارة إلى الأخطاء ..

نعم، يمكن نقد السياسات، ومساءلة القرارات، والتساؤل عن مآلات التدخلات..

خصوصا في اليمن الذي دفع كلفة باهظة من دمه واستقراره.

لكن النقد شيء، والشماتة شيء آخر تماما…

الشماتة لا تُصلح خطأ

ولا تُنقذ شعبا

ولا تُعيد حقّا سُلِب ولا مطالب من أي نوع ..

هي فقط تُسقط صاحبها أخلاقيا قبل أن تُسقط من يشمت به ..

قال الأمير علي رضي الله عنه: “لا تُظهر الشماتة بأخيك فيُعافيه الله ويبتليك”

ليس بمثابة موعظة هذا القول وحسب، بل حكمة سياسية أيضا.

*الخليج لا يتخلى عن أبنائه …

من يعرف طبيعة العلاقات داخل الخليج، يدرك أن الخلاف لا يعني التخلي، وأن الخطأ لا يعني النبذ، وأن المعالجة – مهما تأخرت – تتم داخل البيت لا عبر المنابر المفتوحة للخصوم…

قد يخطئ أحد، قد يخرج عن المسار، قد يُسيء التقدير ..

لكن منطق الإخوة في الخليج لم يكن يوما منطق الإلغاء…

هذه الدول لم تُبنَ على القطيعة، بل على فكرة أن الخلاف يُدار لا يُفجَّر، وأن الأمن الجماعي ليس شعارا بل ضرورة وجودية في منطقة مفتوحة على كل أنواع الاختراق….

*الأخطر في كل هذا الضجيج، أن اليمن يتحول مرة أخرى إلى خلفية للصراع الكلامي، وكأن آلامه مجرد تفصيل في معركة بيانات…

اليمن لا يحتاج مزيدا من التصريحات

ولا مزيدا من الاستقطابات

ولا مزيدا من تصدير الخلافات الإقليمية إلى أرضه ،،،

-يحتاج حلا سياسيا حقيقيا

-يحفظ سيادته

-ويعيد قراره

-ويُنهي كونه ساحة تصفية حسابات لا ناقة له فيها ولا جمل …

كلمة أخيرة يا بني ديني وقومي:

– أي خطاب يسيء لعلاقة بلد مسلم ببلد مسلم

– أي شماتة بانقسام أو توتر

– أي محاولة لتوسيع الشرخ بدل رأبه

*هي خدمة مجانية لأعداء المنطقة، مهما كانت النوايا المعلنة…

-الإصلاح لا يكون بالإساءة

-والحكمة لا تكون بالتحريض

-والسياسة لا تُدار بلغة الغريزة

*نُشير إلى الخطأ

*نطالب بالمراجعة

*ندعو إلى الحوار

*ونسأل الله الصلاح

لكننا لا نكسر البيت لأن فيه غرفة اختلفنا على ترتيبها أو لم تُعجبنا ترتيبات من يبيتون فيها !

إن الله لا يُصلح عمل المفسدين ..

ولا يخذل المصلحين وإن طال الطريق …

والله من وراء القصد.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما ..

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما .. كما أنّ ليست كل امرأة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *