ليس مع أحد بالجملة: رفض تحويل الخلاف السياسي إلى عداء للأوطان

منذ الانقلاب العسكري في مصر على الرئيس محمد مرسي رحمه الله، ونحن ندور في فلك مظلومية الإخوان المسلمين..

مظلومية حقيقية لا يُنكرها عاقل، ولا يجوز التهوين منها، ولا القفز فوق دمائها.

الإخوان إخوتنا في الدين، ولا نشارك في شيطنتهم ولا في الكذب عليهم،

لكن انتهى الوقت الذي كنا فيه نُبرر لهم كل شيء،

وننحاز إليهم في كل موقف،

ونُعطّل عقولنا باسم الجرح المفتوح !

لقد جعلونا – من حيث لا يشعرون أو يقصدون- نكره كل دولة عربية لم تنتصر لهم، وكل نظام لم يخُض معركتهم، وكل شعب لم يهتف باسمهم…

هي الحقيقة بلا مواربة وبلا تجميل..

واليوم، وغزة تنزف، والدول العربية تحاول – كلٌّ بقدرها وحساباتها وتعقيداتها –

أن تفعل ما تستطيع، أسأل بصدق:

-ما الذي كان مطلوبا من حُكّام وجيوش العرب؟

-هل كان مطلوبا أن تقصف الجيوش العربية القصر الجمهوري المصري فوق رأس السيسي ورفاقه، حتى يُمنحوا صك الشرف؟

– هل هذا هو ميزان الوطنية؟ وهل هكذا تُدار الأمم؟

نعم، عند الله تجتمع الخصوم..

وكل مظلوم قُتل وسُحِلَ وحُرِقَ في ميادين مصر، وفي رابعة وغيرها ومن مُختلف الأطراف، سيقتص الله له في الدنيا قبل الآخرة، وعلى الظالمين تدور الدوائر، لا شك في ذلك….

لكن لماذا يُطلب منا نحن أن نكره السعودية، والإمارات، والأردن، وكل رجل دولة مصري، حتى نموت؟

لماذا يُدفع بنا دفعًا إلى مزيد من التمزُّق؟

ولماذا صُنِّف الناس شرفاء أو أنذالا -بحسب قربهم أو تبعيتهم أو بُعدهم عن جماعة بعينها؟

أنا لم أعد أؤمن بأن المظلوم في واحدة أو عشر هو مظلوم بالضرورة في كل موقف لاحق….

لي عقل، ولي ميزان، ولن أكون مع أحد بالجُملة، ولا ضد أحد بالجُملة.

سأزن المواقف، لا الأسماء….

وسأنحاز للحق حيث كان، لا حيث يُراد لي أن أكون…

والحقّ لا يُختزل بجماعة ظُلِمت دون غيرها ولا برموز سَمتهم أشبه بسمتي أو يذكرون الله كما أُحبّ ان يذكره الذاكرون ..

كل بلاد المسلمين بلادي….

وسأحب الإمارات وأهلها دون خجل، كما أحببتُ قطر وأهلها، وانحزتُ بكل خلية فيّ حين فُرض عليها الحصار او المقاطعة ..

ولن أسمح لأحد أن يعيد جرّي إلى المستنقع ذاته الذي أغرقت فيه نفسي في زمن الأزمة الخليجية عام 2017، حين كانت الشتيمة تُحسب بطولة، والصراخ يُحسب وعيا، والوقوف على المنابر الإعلامية بنزق وحِدّة يُحسب شرفا..

ولم تعد تعنيني تعليقات التمجيد حين أوافق هوى البعض:

“حُرّة وأخت رجال ويرحم البطن اللي حملك ..” ..

ذلك الكلام – وإن رفع هرمون السعادة للحظات – لم يخدم الأمة، ولم يُصلح ذات البين، ولم يُنقذ مظلوما واحدا ..

*بعد قليل، يجلس أبناء العمومة حول فناجين القهوة، يستحضرون أبيات الشعر في الأخوة والتسامح وحُسن الجوار، ويتصالحون بإذن الله ..

فلماذا أخسر المزيد من إخوتي وأبناء عمومتي لأجل تصفيق عابر من طرف لن يتردّد في طعني حين أختلف معه؟ وقد جرّبتُ وخُضتّ الألم في ذلك وحدي..

هؤلاء أنفسهم الذين طعنوا عرضي، وأكلوا لحمي، حين رفضتُّ أن أصِف الحوثيين المُستعرضين الدجالين بالأبطال، وحين قلت إن حسن نصر الله قاتل مُجرم وحاشا لله أن أعتبره شهيدا، وحين أكّدتُّ إن جنرالات إيران لو ماتوا على عتبات الأقصى فلن أُصدّق أنهم فعلوا من أجل الأمة ولن أعتبرهم أبطالا ولا شُهداء… هو رأيي ومن أبسط حقوقي أن يكون لي رأي مُستقلّ عن أي أحد..

عندها نسفوا تاريخ مواقفي، واتهموني بالعمالة للصهاينة حينا وللأجهزة الاستخباراتية العربية حينا.. ولم يتفقوا حتى الآن على أي جهاز أتبع بالتحديد.

بينما كان بعضهم يجمع الأموال باسم المظلومية، ويشيّد البيوت في تركيا وغيرها، كنت أتنقّل من بيتٍ مستأجر إلى آخر، كلّما توحّشت الأسعار وضاقت عليّ الدُنيا بما رحُبت..

ويعرف القريب والبعيد أنني لا أملك سوى بيتٍ بناه لي أبي في قريتي بالأردن، ولا أستحي من ذلك، بل أعتزّ به.

فأي جهاز استخباراتي عربي هذا الذي يُقال إنني أتبعه، وهو بهذه الدرجة من البُخل واللامُبالاة باحتمالية ابتتزازه من قبلي او كشف أسراره كونه لا يُغدق على كاتبة مرفوعة عليها عدّة قضايا في أكثر من دولة، بسبب أثر الكلمة لا بسبب المال؟

وهذا ليس ادعائي، بل خلاصة ما سمعته حرفيًا من أجهزة أمنية حقّقت معي بتكبُّر وغطرسة.. في أكثر من بلد، ووقّعتني على تعهّدات وبنود، كان من بينها بند الصمت والسريّة حتى عمّا قالوا لي أو عرفت..

كيف أُسلّم عقلي لجماعة استكثروا عليّ أن أعود إلى وطني وقد تقطّعت بي السُبُل في الغُربة، أو أن أرفض شتم بلدي على صفحتي التي تخضع لقانون الدولة التي أعيش فيها.

عادي أن ألتزم بقوانين تركيا، وعادي أن تُفرض خطوط حمراء عليّ في قطر، لكن الأردن وحده يُراد لي أن أتمرّد على قانونه، وأن أُسجن وتُدمّر حياتي لأجل منشور لن يقدّم ولن يؤخّر شيئا… لكي أُثبت أني شريفة ومحترمة وبنت رجال !

هؤلاء ليسوا سرطان الأمة كما يُردد البعض..ولا أقبل المشاركة في هذا..

فهم إخوتنا وفيهم خير كثير ..

لكن إعلامهم، وبعض رموزهم، وأصحاب المقاطع الساخرة الفارغة، والصراخ المُتكرر أمام الشاشات، وتعميم الشتيمة على كل حاكم وكل دولة، وتشويه تاريخ الشعوب…

هؤلاء كانوا من أكبر أسباب الفوضى والتشظي الذي نعيشه اليوم….

أما أنا، فقد اخترت طريقا آخر…. وكتبت سابقا مقالة بعنوان : نعم تغيّرت …

وأعلنتُ أنني لن أنجر إلى المُستنقع مجددا، ولن أكون وقودا لصراعات لا تنتهي، ولن أنحاز لطرف ضد طرف.

سأسأل السلامة والعافية للجميع، وسأقول الحق بقدر استطاعتي، دون مزايدة، ودون كراهية.

وتبقى السعودية عندي الشقيقة الكبرى، والسيّدة التي أعرف وزنها، وأثق بحكمتها، وأدرك أن الخطوات الثقيلة لا تُتخذ عبثا، وأن الدول لا تُدار بالشعارات، بل بالمسؤولية….

هذا موقفي….

وقد لا يرضي الجميع، لكنه يرضيني….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الأردن: حيث تكون النخوة نظام حياة، لا شعاراً

حين تريد أن تفهم الأردن لا تبدأ من نصوص البروتوكول ولا من وصف الجغرافيا البارد.. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *