ليس أصعب على القارئ العربي من أن يُطلب منه أن يقرأ السياسة بعينٍ باردة…

ليس أصعب على القارئ العربي من أن يُطلب منه أن يقرأ السياسة بعينٍ باردة…

نحن أبناء عاطفة، نحب أن نُقسّم المشهد إلى ملائكة وشياطين ..

إلى “خيانة” و “وفاء”،

إلى “تآمُر” و “بطولة” .. ثم نُفاجأ، كل بضع سنوات، بأن الخصم صار صديقا، وأن الصديق صار خصما، وأن الأعلام التي ارتفعت بالأمس تهوي اليوم بلا مُقدمات.

لكن السياسة لا تسير بالعاطفة وحدها.. السياسة، في جوهرها، تعرف الزمن كما تعرف الخرائط….

والزمن هنا ليس التاريخ بمعناه الرومانسي، بل الزمن بوصفه وحدة قياس للنفوذ والمصالح والالتزامات….

لهذا، لا ينبغي أن نقرأ ما يجري في الإقليم وكأنه “فجأة”، ولا أن نستغرب أن تنفجر خلافات كبيرة بعد سنوات من التوافق….

فالتوافق نفسه قد يكون مؤقتا، محكوما بمدة، منضبطا بموعد انتهاء، تماما كما تُكتب العقود في عالم المال: تبدأ وفي داخلها تاريخ انتهاء، حتى لو لم يُكتب بالحبر على الورق….

1 – السياسة لا تُدار بالنوايا… بل بالجداول …

في العلاقات الدولية، لا يكفي أن تُعلن التحالفات، بل الأهم أن نفهم:

-ما وظيفتها؟ ما سقفها؟ ومتى تُراجع؟

العقد، في كثير من الترتيبات الإقليمية، ليس مجرد رقم، بل “مرحلة تشغيل؛.

عشر سنوات قد تكون كافية لتقاسم أدوار، أو إعادة تشكيل مناطق نفوذ، أو فتح ممرات، أو تثبيت وكلاء محليين، ثم… عند نهاية العقد تبدأ لحظة المراجعة:

-من ربح أكثر؟ من خسر أكثر؟ من تمدد؟ من انكمش؟ من صار عبئا؟

وحين تنتهي المرحلة، لا تُقال الحقيقة بصراحة، بل تُسمّى بأسماء أنيقة:

– “سوء تفاهم”

-“تباين في وجهات النظر”

– “إعادة تموضع” …

لكن خلف اللغة المهذبة تعمل المصالح كأنها ماكينة.

2- الخلافات الكبرى لا تنفجر لأنها “كبرت”… بل لأنها وصلت !

أحيانا لا يكون الخلاف السعودي الإماراتي -أو غيره من خلافات المنطقة- وليد لحظة غضب، بل نتيجة تراكم محسوب:

-حين تتغير معادلة البحر والممرات، والموانئ، وخطوط التجارة، يصبح “الجنوب” أكثر من جغرافيا:

يصبح مفتاحا….

والمفاتيح حين تتزاحم عليها الأيدي، لا تُحل بخطابات الأُخوّة وحدها، بل تُختبر في الميدان:

-من يفرض شروطه؟

– ومن يملك القدرة على تعطيل خصمه؟

– ومن يستطيع تدوير المشكلة حتى لا يدفع ثمنها وحده؟

3 – أكذوبة “الاستقلال” حين تكون المفاتيح في الخارج ..

في منطقتنا تُعلن كيانات وتُرفع رايات، لكن السؤال الذي يجرح الحقيقة هو:

-هل الاستقلال يعني وجود علم ونشيد؟

– أم يعني امتلاك القرار والسيادة والموارد؟

كثير من “المشاريع” تُبنى على استقلال لغوي، بينما القرار الأمني والاقتصادي مسنودٌ إلى الخارج….

وهنا بالضبط يصبح الاستقلال زينة سياسية، لا جوهرا…

وحين نقول هذا، لا نُهين الشعوب ولا نطعن في حقها، بل نرفض أن يُباع الألم في السوق تحت شعار الفرح…

فالحرية لا تكون هدية، ولا تكون ديكورا…. الحرية وظيفة سيادة، والسيادة تعني امتلاك مفاتيح المكان، لا مجرد الظهور على الشاشات….

4 – لا تنخدع بالوفاق الظاهر… فخلف الستار مصالح تتبدّل ..

في منطقتنا، نُصعق حين نرى صديقا يخاصم صديقه، ثم نُصعق أكثر حين يعودان إلى طاولة واحدة وكأن شيئا لم يكن…

والسبب أننا نقرأ التحالفات كأنها علاقات حب، بينما هي في حقيقتها علاقات “مصلحة”….

قد يحدث التصعيد ليُحسّن طرف شروطه، وقد يحدث الهدوء ليُثبت طرف مكاسب جديدة…. وفي الحالتين، الذي يدفع الفاتورة غالبا هو:

الشعوب

والهوامش

والبلدان الضعيفة التي تُستخدم كمسارح لإثبات النفوذ …

5 – ما الذي نستفيده نحن من هذه القراءة؟

-أن لا نُبتزّ أخلاقيا كلما تغيّر المشهد…

– أن لا نتحول إلى جماهير تصفق للموجة ثم تُلعن بعدها لأنها صفقت…

– أن نمتلك وعيا يشبه “الحسابات” لا “الشتائم”:

من المستفيد؟

ما العقد الذي انتهى؟

ما العقد الذي يُراد توقيعه؟

وأي منطقة ستُستخدم كورقة ضغط؟

**الدعوة للوعي هنا ليست دعوة تشاؤمية، بل حماية عقل…

أن تفهم أن الصراع ليس دائما صراعا على “مبدأ”، بل كثيرا ما يكون صراعا على “ممر”، على “موقع”، على “حصة”، على “مكانة” أو على لمعان حصري في وسائل الإعلام..

وفي زمن تمتلئ فيه المنطقة بالعناوين المُتفجّرة، يبقى السؤال الأهم:

هل نقرأ الحدث… أم نقرأ ما وراء الحدث؟

لأن من لا يقرأ ما وراء الحدث، سيعيش عمره كله يتفاجأ…

ثم يتألم… أو يشمت بمن يعتبره خصما ..

ثم يكرر المفاجأة ذاتها في العقد التالي.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما ..

العطاء لا يعني الحُب.. والتضحية ليست من الفضائل دائما .. كما أنّ ليست كل امرأة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *