الأردن…. القصة التي لم تُروَ بعد…

كلما خرجت عبارة عابرة تقول إن الأردن عمره مائة سنة فقط، أشعر أننا لا نواجه خطأ في التاريخ بقدر ما نواجه كسلا في الوعي واللغة، وإنصافا مؤجلا لأرض لم تُحسن أحيانا أن تُروى قصتها بصوت أهلها…

نعم، الدولة الحديثة عمرها قرن تقريبا، أما الأردن كأرض ومعنى ومسار إنسان، فإنه أقدم من ذلك بكثير، أقدم من المصطلحات السياسية نفسها، وأقدم من الخرائط التي تُرسم ثم تُمزق وتُعاد صياغتها حين تتغير موازين القوى.

الأردن ليس رقما في نشرة، ولا حدودا على خريطة، بل ذاكرة حجر، ونفَس إنسان، وسيرة أرض تمشي فوقها الأمم ثم تمضي، ويبقى أثر الخطوة، وأثر الدعاء، وأثر العرق الذي لم يُكتب عنه شيء.

على هذه الأرض مرّ الغزاة كما مرّ التجار، ومرّ العابرون كما مرّ الأنبياء، ومرّ أصحاب السيوف كما مرّ أصحاب المحاريث.

لم تكن الأرض صامتة، لكنها كانت تترك شواهدها لمن يفهم:

-نقشا على صخرة،

-موقعا أثريا،

-قناة ماء تشق الصخر،

-مدينة منحوتة في جبل،

-قوسا رومانيا، مقام نبي،

-قلعة على الطريق كأنها عين البلاد الساهرة.

ومع ذلك ظل تاريخ الأردن مظلوما في السردية، لا لأن الشواهد ناقصة، بل لأن التوثيق لم يأخذ مكانه الطبيعي في خطابنا العام ..

ولأن الأردني بطبيعته عروبي كريم، يعطي القضايا الكبرى من روحه ووقته، ثم ينسى أن يكتب اسمه في الهامش الذي يتحول لاحقا إلى متن حين يكتبه غيره.

لقد خدم الأردني غيره طويلا، وهذا شرف لا يُنكِر إلا قليل أصل ودين، لكنه أحيانا لم يخدم سرده كما يجب…

لم يصنع أرشيفا حيّا لمعنى المكان،

ولم يُحوّل كثافة الأرض إلى معرفة عامة قابلة للتداول ..

فصرنا نسمع من يقول لا تاريخ هنا، وكأن التاريخ يُعلن عن نفسه بالضجيج لا بالشواهد.

والحق أن هذه الأرض كانت عقدة طرق بين قارات…

لم تكن القوافل تعبرها ترفا، بل ضرورة، لأن هنا الحياة، وهنا التجارة، وهنا الماء، وهنا المعبر بين شمال وجنوب، وبين بر وبحر، وبين حضارة وحضارة.

وكل من يعرف منطق الجغرافيا يدرك أن المكان الذي يتوسط الطرق لا يعيش على الهامش، بل يتعرض دائما للضغط ويُمتحن دائما في ثباته.

وإذا كانت حضارات كثيرة قد حكمت المنطقة، فهذا لا يعني أن أهلها كانوا غائبين. …

الحاكم يمر، أما البناؤون فيبقون…

قد يكون الشكل رومانيا، لكن من رفع الحجارة هم أهل البلاد…

وقد يكون العهد بيزنطيا، لكن من حرث الأرض هم أهلها…

وقد يكون الزمن عثمانيا، لكن من تحمّل الأثقال والضرائب والطرق هم الناس هنا.

*المشكلة ليست في أن نتباهى، بل في أن نُنصف الحقيقة، وأن نحمي سرديتنا من الاستسهال ومن التلخيص المُخِلّ الذي يجعل الدولة الحديثة تختزل الأرض كلها، وكأن التاريخ يبدأ حين تبدأ المؤسسات وينتهي حين تتغير اللافتات.

والأكثر إيلاما أن العالم يعرف بعض رموزنا أكثر مما نعرفها نحن…

انظروا إلى عين غزال مثلا، كم من جهة عالمية تحتفي بها وتُؤمّن على رمزها بملايين، ثم تُترك عندنا في هامش الزيارة، وكأنها أثر عابر لا كنزا من المعاني…

وهذه مفارقة لا تجرح الأردن بقدر ما تجرح وعينا نحن…

ما معنى أن يعرفوا قيمة ما نملك أكثر مما نعرفه نحن؟

لا أقول هذا لأجل تعصُّب وطني أعمى، ولا لأجل مُزايدة على أحد…

فالاعتزاز ليس باستعراض قدرة الحناجر في سوق المُزايدات،

والهوية ليست عداء لأحد…

الاعتزاز أن تقول الحقيقة بوقار، وأن تحمي ذاكرة بلدك دون أن تُنكر على غيرك ذاكرته…

ومن هنا فإن الحديث عن الأردن لا يتعارض مع الوفاء لفلسطين، بل يُقوّيه، لأن قوة الأردن سند لفلسطين، وسلامة الأردن حماية للمنطقة كلها، ولأن منطق الجغرافيا والتاريخ يجعل البلدين متجاورين في المصير، كما هما متجاوران في الأرض والماء والطرق والوجدان.

وما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من الخطب، بل مزيدا من التدوين…

ليس مزيدا من الانفعال، بل مزيدا من المعرفة:

-أبحاث جادة،

– أفلام وثائقية،

-مناهج مدرسية تحترم الآثار،

-زيارات منظمة للمواقع،

-وأدب يلتقط التفاصيل ويصنع منها ذاكرة قابلة للحياة.

والأهم من كل ذلك أن نفهم أن بناء الوطن لا يحتاج إلى التخفف من الدين،

كما لا يحتاج إلى ادعاء الدين.

الأردن لم يُبنَ بالحياد البارد، ولا بالتدين المتشنج، بل بضمائر حيّة تعرف طريق المسجد كما تعرف طريق الحقل والثكنة والمدرسة،

وتفهم أن الإيمان ليس عبئا على الدولة، بل سند أخلاقي لها.

الأردن أقدم من اختزاله في رقم، وأعظم من أن يُترك لتوصيفات المتصيدين…

هو أرض لها شواهدها، ومعنى يحتاج إلى من يرويه بصدق وهدوء…

وحين نكتب تاريخنا بوعي، لا ننافس أحدا ولا نُنكر أحدا، بل نحمي أنفسنا من أن نقف بعد خدمة الآخرين على ناصية الشارع بلا تعريف…

فمن لا يملك سرديته سيكتبها عنه غيره، ومن لا يحفظ اسمه بيده سيصبح عند خصومه هامشا، وعند المُتعجّلين نكتة.

أما نحن، فلَدينا ما يكفي من الشواهد لنقول دون ضجّة:

نحن هنا…. نحب أمتنا، ونخدم غيرنا، ولا ننسى أنفسنا، ونكتب تاريخنا لكي تعرف الأجيال القادمة أنها لم تولد في فراغ، بل على أرض عريقة تعلّمت الصبر، وعرفت القوافل، وحفظت الدرب، ثم قالت للعالم بهدوء:

الأردن ليس طارئا على الجغرافيا، ولا على التاريخ، ولا على معنى العروبة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

نعم لزوال ولاية الفقيه… لا لسقوط الشعب الإيراني …

يقول المثل الصيني: إن «الثعلب النائم يُحصي الدجاج في أحلامه»، ويقول عربنا إن «الجوعان يحلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *