أخطر ما يُرتكب بحق فلسطين

من أخطر ما يُرتكب بحق فلسطين اليوم أن تُحوَّل من قضية عدلٍ كونيّ إلى “صك براءة”، ومن ميزان أخلاقي إلى بطاقة مرور تُعلَّق على الصدور، تُسقِط الأسئلة وتُغلق باب المحاسبة.

فلسطين، في جوهرها، لم تكن يوما مانحة أوسمة، ولا موزّعة هويات، ولا جهة تصديق أخلاقي.

كانت – وستبقى – اختبارًا قاسيًا للضمير الإنساني، لا ينجح فيه من يرفع شعارها فقط، بل من يلتزم بمعناها.

القضية الفلسطينية لا تُبرِّر الظلم في أي مكان آخر، ولا تُعطّل ميزان العدالة، ولا تمنح حصانة أخلاقية لمن يستبيح الدم ثم يختبئ خلف رايتها.

لأن العدل إذا انكسر في موضع، انكسر في كل المواضع. ومن يقاتل الاحتلال وهو يمارس القهر في بلاده أو جواره، لم يفهم فلسطين، بل استعملها.

غير مقبول أخلاقيًا، ولا منطقيًا، ولا إنسانيًا،

أن يُمنح صكُّ الشرف السياسي لمن دعم بشار الأسد وحلفاءه، وعلى رأسهم إيران،

لمجرد أنهم رفعوا لافتة فلسطين وملأوا الفضاء شتائم ضد الصهاينة والمطبّعين.

فالشعارات لا تمحو السجون،

والهتافات لا تُسقِط المشانق،

والعداء لإسرائيل لا يُحوِّل الجلاد إلى مقاوم.

كيف يمكن لعاقل أن يصف نظامًا “بالشريف”،

وهو نظام لم يتورّع عن قمع أهل السُّنة في الداخل الإيراني،

وملاحقة علمائهم،

وإغلاق مساجدهم،

وتجريم هويتهم الدينية،

وتحويلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية في وطنهم؟

كيف يُبرَّر نظامٌ يعلّق المعارضين على أعواد المشانق في الساحات،

ويُصفّي الصحفيين والمفكرين والنشطاء، ويخنق النساء باسم “ولاية الفقيه”،

ويقتل شعبه لأنه طالب بحياة كريمة،

ثم يُطلب منّا أن نُصفّق له لأنه أطلق صاروخًا بالوكالة؟

إيران التي يُراد لنا أن نراها “حامية فلسطين”، هي نفسها التي لم تحتمل معارضة داخلية واحدة دون قمع دموي، ولا احتجاجًا شعبيًا دون رصاص،

ولا رأيًا مخالفًا دون سجن أو إعدام.

أي مقاومة هذه التي لا تتحمّل شعبها؟

وأي شرفٍ هذا الذي يقوم على إخضاع الداخل وتصدير الخراب إلى الخارج؟

ثم كيف يُغفَل عن حقيقة أن إيران لم تكتفِ بجرائمها في الداخل،

بل صدّرتها إلى الإقليم:

في سوريا، دعمت نظامًا بنى دولته على المجازر والمقابر الجماعية والسجون،

وساهمت في قتل مئات الآلاف وتشريد الملايين،

ثم قيل لنا: اصمتوا… ففلسطين أولا!

لكن فلسطين، إن كانت حقًا معيارًا أخلاقيًا،

فلا يمكن أن تُفصل عن دم السوري،

ولا عن كرامة الإيراني المعارض،

ولا عن المشنوق في ساحة بتهمة “الفساد في الأرض”.

ليس كل من حمل السلاح مجاهدًا، وليس كل من عادى عدوك صديقًا،

وليس كل من صرخ باسم فلسطين بريئًا.

فالمجاهد الحقيقي لا يقتل شعبه،

ولا يحكم بالمشنقة، ولا يختبئ خلف قضية عادلة ليبرّر ظلمًا آخر.

إن تحويل فلسطين إلى غطاء أخلاقي للطغيان هو أخطر أشكال خذلانها،

لأنه يُفرغها من معناها، ويجعلها أداة بيد أنظمة لو تُرك لها الأمر

لما سمحت لفلسطيني واحد أن يعارضها دون سجن.

القضية الفلسطينية لا تحتاج طغاة يتاجرون بها، بل أحرارًا يفهمون أن التحرير يبدأ من الإنسان، وأن من لم يحترم شعبه … لن يحرّر أرض غيره.

التاريخ – لا الخطابة – يخبرنا أن كثيرين قاتلوا أعداءهم ثم صاروا أعداءً لشعوبهم، وأن بعض من ادّعوا النصرة صادروا الإنسان، وكمّموا الأفواه، وحوّلوا الدم إلى سلعة سياسية.

هؤلاء لم ينجحوا في امتحان فلسطين، بل سقطوا فيه، لأن فلسطين ليست معركة عسكرية فقط، بل إحدى قضايا كرامة إنسان.

تحويل فلسطين إلى “كاشف” يفرز الناس أخيارًا وأشرارًا على أساس الانتماء أو الطائفة أو الجغرافيا تبسيط مُخلّ، بل وخطير.

فالظلم لا يصبح عدلًا إن صدر من “محور مقاومة”، والاستبداد لا يغدو فضيلة إن تزيّن بخطاب تحرري، والقتل لا يُطهَّر لأنه وُجِّه إلى خصم مشترك.

هذه ليست أخلاق قضية، بل منطق عصابات…

العدل لا يتجزأ، والحق لا يُؤخذ بنقض حق آخر، والقضايا الكبرى لا تُحمى بتعليق العقل.

فلسطين لا تحتاج منّا أن نُقدّس من يرفع اسمها، بل أن نسأل:

هل حفظ الإنسان؟

هل صان الكرامة؟

هل التزم بالقيم التي قامت لأجلها القضية أصلًا؟

**من نصر فلسطين وهو يحفظ حياة الناس وحقوقهم فقد اقترب من معناها.

**ومن نصرها وهو يدهس الإنسان، ويفرض الوصاية، ويُكمّم المختلف، فقد خانها ولو رفع رايتها على كل منبر.

يا جماعة .. أخطر أشكال الخذلان لفلسطين ليس التخلي عنها، بل استعمالها.

استعمالها لتبرير الطغيان،

لتبييض الدم،

ولتحويل الصراع العادل إلى تجارة شعارات.

فلسطين لا تمنح شهادات حسن سلوك،

ولا توزّع صكوك براءة،

ولا تصنع ملائكة من طغاة.

أكرر :

فلسطين ليست غطاءً أخلاقيًا، ولا ممحاة من السهولة أن تمحو آثار جُثث تحلّلت في سجون الطُغيان، ولا ستارًا تُخفى خلفه المشانق والمقابر الجماعية.

فلسطين مرآة…. تعكس وجهك كما هو وجهك في الحقيقة،

لا كما تروّج له خطاباتك المُعلّبة التي ركبت موجة ظننت من شدّة الهُتاف أنها موجة نصر ونجاة !

فلسطين مرآةٌ للضمير، لا تُزيّن الوجوه ولا تُجامل السِّيَر.

تُسقِط الأقنعة،

وتفضح التناقُض بين الشعار والسلوك، بين الصراخ في الميادين

والمشانق في الأقبية.

من وقف أمامها صادقًا، أجبرته على مراجعة نفسه.

ومن دخلها مُحمَّلًا بالدم، لم يجد فيها خلاصًا… بل افتضاحًا.

ومن عجز عن احتمال صورته في انعكاسها، لم يُرمِّم ذاته،

بل حاول تحطيم المرآة.

وذلك وحده اعتراف.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

نعم لزوال ولاية الفقيه… لا لسقوط الشعب الإيراني …

يقول المثل الصيني: إن «الثعلب النائم يُحصي الدجاج في أحلامه»، ويقول عربنا إن «الجوعان يحلم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *