هو سؤال فاسد في أصله !
مشكلتنا ـ ببساطة ودون مواربة ـ مع كل مشروع يستخدم فلسطين وقودا لمصالحه، لا مع فلسطين نفسها…
فالقضية الفلسطينية ليست “رصيد شرف وأخلاق” يُمنح لمن يرفع السلاح،
ولا “صكّ براءة” يُعطى لمن يرفع الشعار ..
ولا “شهادة غفران” يُغفر به القتل والخراب والاستتباع والدموية.
نعم، إسرائيل عدوٌّ مباشر، واضح، مُعلن دموي إرهابي مجرم.
لكن هذا لا يُلزمنا أخلاقيا أن نُبرّئ كل من يزعم العداء لها..
ولا أن نُغمض أعيننا عن جرائم تُرتكب باسم فلسطين،
ثم نُطالَب بالصمت بحجة “الدم والمال” !
فالتاريخ – لمن أراد أن يقرأه بلا عاطفة- يعلّمنا أن
ليس كل من قاتل عدوك صديقك ..
وأن بعض “الداعمين” لك في جزئية -وبمعزل عن النوايا- هم أشد خطرا من العدو نفسه ..
لأنهم يسرقون المعنى الذي تدور حوله مظلوميتك، ويُفرغون القضية من بعدها الإنساني ..
ويحوّلونها إلى أداة نفوذ وتخليص ثارات، لا مشروع تحرير.
أما الحديث عن “أن إيران ومحورها قدّموا المال والدم”،
فهذا توصيف جزئي، انتقائي، وغير بريء سياسيا.
الدم الذي يُقدَّم ليس دائما تبرُّعا، وأحيانا يكون استثمارا قذرا ..
والسلاح لا يُرسل دائما حبّا، أحيانًا يكون أداة ربط ووصاية وتشويه لمن يتم الترويج بأنهم جُبناء وعُملاء وشركاء في قتل الفلسطينيين لمُجرّد أنهم لا يملكون ترف المُجازفة أو الدخول في معارك غير مُتكافئة !
من حق الفلسطيني أن يُدافَع عنه كمُسلم عربيّ وقبل كل ذلك إنسان مقهور ومظلوم .. لكن من حقه أيضا ألا يُختَطف !
وألا تُدار قضيته من غرف طهران أو ضواحي بيروت أو كهوف صعدة ..
وألا تُقايَض دماؤه بمشاريع إقليمية لا علاقة لها بتحريره من براثن الصهاينة..
وأما صدام حسين (بما أن البعض أرسل لي رسائل شتم وتخوين لمقالتي أمس عنه وعن أبنائه حيث لم أُمجّد فيهم أحدا .. ومع أن الذين أرسلوا من عبيد إيران الذين لا يرون دمويتها وديكتاتوريتها واستبدادها ضدّ شعبها قبل الجميع ولا يريدون أن يقرأوا عن عبثها في بلاد المُسلمين)،
أقول : صدام حسين لم يكن ملاكا، ولم يكن نبيّا، ولم يكن معصوما، ولم أُمجّده في كلمة ولم أطلق عليه صفاتا ليست فيه ..
وقد قيل في مقاله ما له وما عليه ..
وهذا هو الحد الأدنى من النزاهة الفكرية.
لكن تحويل أي قراءة تاريخية لا تُرضي محورا بعينه إلى “طائفية”،
هو ابتزاز أخلاقي رخيص، ومحاولة لإغلاق باب التفكير، لا فتح باب الحق.
نقد صدام ليس دفاعا عن الاحتلال ..
ونقد إيران ليس خدمة لإسرائيل ..
كما أن دعم فلسطين لا يمر عبر الولاء لأي دولة أو مليشيا دموية مُجرمة.
أما القول إن “الشيعة دافعوا عن فلسطين، والسنة لم يفعلوا”،
فهذا أخطر ما في التعليقات ..
لأنه يُقسّم الدم، ويُجزّئ الشرف، ويحوّل فلسطين من قضية جامعة
إلى ساحة تصفية مذهبية ..
ففلسطين ليست سنيّة ولا شيعية .. ولا حكرا على حزب،
ولا ملكا لمحور.
هي قضية إنسانية عادلة ..
يخونها من يستثمرها .. كما يخونها من يبيعها ..
كما يخونها من يُحيلها إلى مزاد ولاءات.
وأخيرا .. وبكل جرأة ووضوح من كاتبة مُصابة بالوضوح لن تُجامل واحدا فيكم وقد جاملتكم طيلة سنوات دفعت ثمنها غاليا يا بعض القوم والجماعات:
“ليست “إعادة ضبط البوصلة” أن نُسكِت كل صوت ناقد ..
ولا أن نُخوّن كل من يرفض تقديس السلاح …
ولا أن نُساوي بين النقد والعمالة ..
البوصلة الحقيقية هي أن نقف مع فلسطين دون أن نكذب،
ودون أن نُقدّس
ودون أن نُبرّر سفك الدم خارجها باسمها ..
أما من لا يحتمل هذا الموقف المتّزن فمشكلته ليست مع المقال،
بل مع فكرة أن القضية أكبر من محوره
وأطهر من سلاحه ..
وأعمق من شعاره
وأصدق من نفاقه وأبقى من صوته العالي في الميادين وأمام الكاميرات !
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة