عن الدولة والمؤسسات وتنوّع العقول ..
يتساءل بعض الإخوة، في إحدى المساحات على “تويتر”، سؤالا يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه عميق في جوهره:
– من الذي يحدّد مصلحة الأردن؟
وسرعان ما انزلق النقاش إلى مصطلح “الدولة العميقة”، وهل هو موجود في الأردن، وهل الملكيات أصلا تعرف هذا المفهوم أم لا…
– هذا السؤال، بصيغته المتداولة، لا يكشف فقط عن اختلاف في الرأي، بل عن التباس مفاهيمي يحتاج إلى تفكيك هادئ، بعيدا عن التخوين أو الشعارات.
أولا: مصلحة الأردن ليست رأيا… بل مسؤولية …
مصلحة الدولة لا تُحدَّد بالتصويت اللحظي ولا تُصاغ في مساحات النقاش المفتوحة ولا تُبنى على الانفعال أو حسن النيّة….
مصلحة الأردن تُحدَّد حيث توجد المسؤولية القانونية والدستورية عن القرار ونتائجه….
أي داخل منظومة الدولة الرسمية:
-القيادة السياسية
-المؤسسات الدستورية
-والمؤسسة العسكرية والأمنية التي تتحمّل كلفة أي خطأ، بشريا ووطنيا.
والحقيقة : من يملك عبء حماية الحدود، هو من يملك حق تقدير المصلحة.
أما من لا يتحمّل كلفة القرار، فله حق النقاش… لا حق الحسم.
ثانيا: لماذا مصطلح “الدولة العميقة” مُربك في السياق الأردني؟
مفهوم “الدولة العميقة” في الأدبيات السياسية مفهوم سلبي في جوهره،
يُستخدم لوصف جماعات ظل، أو شبكات مصالح، أو قوى غير خاضعة للمساءلة، تعمل أحيانا ضد دولة القانون والمؤسسات.
تجربة تركيا في مرحلة حكم الجنرالات مثال واضح:
حين تحوّلت “الدولة العميقة” إلى عائق أمام السياسة، وأداة تعطيل للإرادة الشعبية، ومصدر إضعاف للدولة لا تقويتها.
من هنا، فإن إسقاط هذا المصطلح على الأردن، أو على الملكيات المستقرة عموما، غير دقيق…
ثالثا: ماذا تملك الملكيات بدل “الدولة العميقة”؟
الملكيات المستقرة لا تُدار من الظل، ولا تحتاج شبكات خفية لتسيير شؤونها.
قوتها تأتي من استمرارية الشرعية، ووضوح مركز القرار، ووجود نخب متعددة تعمل داخل الدولة لا خلفها…
في هذا النموذج:
لا توجد دولة داخل الدولة
ولا صراع دائم على الشرعية
بل ذاكرة مؤسسية متراكمة، لا تبدأ من الصفر مع كل أزمة..
ركّزوا في هذه ( ذاكرة مؤسسية متراكمة، لا تبدأ من الصفر مع كل أزمة.. ) ..
وهذا بالضبط ما يمنح الدولة قدرة على الصبر حين يلزم، وعلى الحسم حين يصبح الصبر خللا في ميزان الحماية…
رابعا: تنوّع الأيديولوجيا… قوة لا تهديد ..
من أخطر الأوهام السياسية الاعتقاد أن الدولة القوية هي الدولة ذات الأيديولوجيا الواحدة.
التجربة تقول العكس تماما.
الدولة القوية هي التي تُحسن إدارة التنوّع الأيديولوجي داخل إطار وطني جامع.
في الملكيات، تعمل نخب مختلفة المرجعيات:
إسلامية
قومية
ليبرالية
محافظة
تقليدية وحديثة
لا لتتناحر على الدولة، بل لتخدمها من زوايا مختلفة.
هذا التنوع:
يوسّع زاوية الرؤية
يمنع احتكار الحقيقة
يحدّ من التطرف
ويمنح الدولة قدرة أعلى على التكيّف مع التحولات…
ولهذا، كلما كانت النخب أكثر تنوّعا وتوازنا، كانت الدولة أكثر مرونة وقدرة على الحل…
خامسًا: متى تُعيد الدولة تعريف المصلحة؟
تبلغ الدول لحظة لا يعود فيها ضبط النفس سياسة،
بل يتحوّل إلى خلل في ميزان الحماية.
وفي حسابات الدول، أخطر التهديدات ليست تلك التي تنفجر فجأة،
بل التي تتسلّل، وتتراكم، وتُعيد تعريف نفسها بهدوء.
حينها، لا يكون القرار تصعيدا، بل تصحيحًا لمسار اختلّ طويلا.
وهنا يتّضح الفارق بين دولة تقرأ المسار، ودولة تكتفي بملاحقة الأعراض.
وعليه :
– الأردن لا تحكمه دولة عميقة
– ولا تُدار قراراته بجماعات ظل
– ولا تُختصر مصلحته في رأي فرد أو تيار.
– الأردن تُديره دولة مؤسسات
– تستند إلى شرعية واضحة
-ونخب متعددة
– وعقل استراتيجي يعرف متى يصبر… ومتى يحسم.
وفي عالم مضطرب كهذا ..
هذه ليست نقطة ضعف، بل أحد أهم مصادر القوة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة