لماذا لا يُحَبّ الطيبون طويلا… ولماذا لا يُشتاق إليهم إلا بعد أن يرحلوا؟

لماذا لا يُحَبّ الطيبون طويلا… ولماذا لا يُشتاق إليهم إلا بعد أن يرحلوا؟

ليست المشكلة في أن تكون طيّبا… بل المشكلة في أن تكون مكشوفا أكثر مما ينبغي….

*الطيبة، حين تُعطى بلا ميزان، لا تُثمر حبّا… بل تُنتج اعتيادا…

والاعتياد – كما قال الفيلسوف شوبنهاور – هو أسرع طريق لقتل الدهشة،

والدهشة هي الوقود الخفي لأي علاقة حيّة….

*كثيرون نشأوا على فكرة خاطئة:

– أن الحب يُستدرج بالإتاحة الكاملة

– وبأن تكون حاضرًا دائمًا

– وبأن تقول “نعم” أكثر مما ينبغي ..

– وبأن تُعطي قبل أن تُسأل

– وبأن تُبرّر الإساءة باسم الطيبة….

لكن الإنسان – في أعمق طبقات نفسه – لا يتعلّق بما هو متاح بلا حدود،

بل بما يشعر أنه قابل للفقد….

وهنا السر الذي لا يُقال لك في القصص الرومانسية:

– الإنسان لا يحمي ما يملكه بسهولة، بل ما يخشى خسارته…

– الطيبة بلا حدود… ليست فضيلة، بل تنازل مقنّع ..

*في التراث الإسلامي، لم تكن الرحمة أبدًا مُرادفًا لإلغاء الذات…

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

“لستُ بالخِبّ، ولا الخِبُّ يخدعني”

الطيب الحقّ ليس ساذجا

واللين الحقّ ليس مُستباحا

والعطاء في غير موضعه ليس كرما… بل هدر…

النبي ﷺ -وهو أرحم الخلق – كان يقول:

“المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف”

القوة هنا ليست بطشا، بل قوة النفس، وقوة الحدّ، وقوة الموقف.

الطيبة حين تُفرغ من الحد .. تتحوّل من قيمة أخلاقية إلى بطاقة استخدام مجاني.

السؤال:

لماذا يُستغل الطيبون؟

ببساطة :

-لأنهم يقدّمون أنفسهم كاملة قبل أن يُسألوا: هل هذا المكان آمن؟

-لأنهم يخلطون بين الحبّ والتضحية وبين الوفاء والتنازل

وبين الصبر وإلغاء الكرامة…

*في العلاقات غير المتوازنة .. الطرف الأكثر عطاء يُصنَّف -لا شعوريا-

كخيار مضمون.

والخيار المضمون…

لا يُخشى فقده ولا يُقاتَل لأجله، ولا يُصان.

كما قال نيتشه بمرارة دقيقة:

“نحن لا نؤذي من لا نحتاجه، بل من نضمن بقاءه”

*اللطف مع الشخص الخطأ .. يشبه زرع الورد في أرض ملحية.

أنت لا تُنقذ الزرع… بل تُهلكه.

حين تزيد لطفك مع من يُهملك، تُرسِل له رسالة واحدة فقط:

“أنا هنا مهما فعلت بي”!

وحين تصل هذه الرسالة

-يختفي الجهد من الطرف الآخر

– وتُؤجَّل العلاقة

-وتُختصر مشاعرك

– وتُؤخذ كأمر مفروغ منه….

*وهنا لا يكون الخلل في قلبك بل في سوء إدارة مُنتجات قلبك ومُحتوياته…

العلاقة الصحية… ليست سباق تضحية

العلاقة المتوازنة ليست أن تُعطي حتى تنكسر

ولا أن تُسكِت ألمك وتُنكره كي تبقى محبوبا…

العلاقة الطبيعية -كما يقول إريك فروم – :هي علاقة تبادُل لا استهلاك.

-أن تهتم فيُبادلك

-أن تُقدّر فيُقدّرك

– أن تكون لطيفا فيشعر بالامتنان لا بالسيطرة….

*أما العلاقة الأحادية ..فهي عبادة من طرف واحد.. ومذبح لا يُكافئ قرابينه.

كُن طيبا ولكن بوعي ..

فالطيبة الواعية شكل نادر من القوة…

أنت لست مُطالبا بأن تصبح قاسيا

ولا أن تلبس جلدا لا يشبهك..

لكن المطلوب – أخلاقيًا ونفسيا – أن تُعيد الطيبة إلى موضعها الصحيح:

طيبة مع من يحترمها

رحمة مع من يعرف حدّها

عطاء لا يُلغي كرامتك

كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

“لا تكن ليّنًا فتُعصر، ولا صلبًا فتُكسر”

هذه ليست نصيحة عاطفية .. بل قانون بقاء.

والحبّ الحقيقي لا يحتاج أن تُذيب نفسك فيه كي يُثبت وجوده.

الذي يُحبك حقًّا .. سيحترم حدّك .. كما يشتاق لقلبك.

أما من لا يحتمل إلا نسخة منك بلا كرامة، فلم يكن يبحث عن حب…بل عن مأوى مجاني ..!

وأنت – كما أنت – خُلِقت لتكون إنسانا كريما كما كرّمك ربّك .. لا مجرد شيءٍ احتياطي قد يُحتاج إليه في يوم ذي مسغبة قد يأتي أو لا يأتي في حياة شخص آخر

لا يراك ولم يعتبرك يوما ” أولوية” ..!

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حين تكون الحدود بداية العلاقة لا نهايتها

كثيرون يسيئون فهم الحدود، فيظنونها قسوة، أو انسحابا، أو نقصا في المحبة… والحقيقة أعمق من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *