ضربات الجو الأردني: تصحيحٌ لمعادلة أمنية، لا رد فعل انفعالي.تبلغ الدول لحظة لا يعود فيها ضبط النفس سياسة، بل يتحوّل إلى خلل في ميزان الحماية…
وفي حسابات الدول، أخطر التهديدات ليست تلك التي تنفجر فجأة، بل التي تتسلّل بصمت، وتُراكم أثرها ببطء حتى تصبح جزءا من المشهد اليومي….
من هذه الزاوية وحدها يجب أن يُقرأ ما قام به سلاح الجو الأردني على الحدود الشمالية.
لا بوصفه ردّا انفعاليا، ولا رسالة استعراض، ولا خرقا لمألوف سياسي، بل باعتباره تصحيحا لمعادلة أمنية اختلّت طويلا، بعدما تحوّل الخطر من حوادث متفرقة إلى نمط مستقر.
*الأردن لم يتحرّك لأنّ حادثا وقع .. بل لأنّ التهديد استقر….
وهنا يتّضح الفارق بين دولة تقرأ المسار، ودولة تكتفي بملاحقة الأعراض….
فهنالك فرق بين الفعل الوقائي، وردود الفعل المتأخرة….
*من وهم الاحتواء إلى حساب الكلفة ..
لسنوات، تعامل الأردن مع الجنوب السوري بمنطق الاحتواء:
تنسيق، ضبط نفس، رسائل سياسية، وتحمّل كلفة أمنية متصاعدة على أمل أن يُعاد ضبط الأرض من الجهة الأخرى.
لكن حين يفشل الاحتواء، لا يصبح التراجع حكمة، بل مخاطرة.
ما تغيّر اليوم ليس سياسة الأردن، بل تقدير الدولة لطبيعة الخطر نفسه.
فالتهريب لم يعد نشاطًا إجراميا عاديا، والمخدرات لم تعد ملفا جنائيا هامشيا،
بل تحوّلت إلى أداة تفكيك مجتمعي صامت، عابرة للحدود، لا تعترف بالسيادة ولا بالقانون…
*الكبتاغون كسلاح لا كبضاعة ..
الخطأ الأكبر في النقاش الدائر هو اختزال المخدرات في بعدها الجنائي….
في هذه الجغرافيا، الكبتاغون ليس تجارة فقط، بل سلاح منخفض الكلفة وعالي الأثر:
يضرب البنية الاجتماعية
يستنزف المؤسسات
ويخلق اقتصادا موازيا أقوى من الدولة نفسها ..
وحين تصل الدولة إلى قناعة أن ما يعبر حدودها ليس “ممنوعات” بل مشروع تخريب، يصبح الدفاع الاستباقي فعل حماية لا عدوان….
الأردن: دولة تعرف حدودها… وتعرف متى تتحرّك
الأردن ليست دولة تبحث عن دور إقليمي عبر التصعيد …
ولا دولة تُغريها المغامرات العسكرية، بل دولة تعرف دقّة موقعها، وثقل أعبائها، وهشاشة الإقليم من حولها….
ولهذا، حين يتحرّك الأردن، فهو لا يفعل ذلك تحت ضغط الرأي العام،
ولا لإرضاء حلفاء، بل لأنّ كلفة عدم التحرّك أصبحت أعلى من كلفة القرار نفسه…
هذه ليست لغة القوة، بل لغة البقاء.
*عن السيادة… خارج الخطاب الخشبي …
السيادة ليست شعارا يُستدعى بعد الضربات، ولا تُختزل ببيانات تنديد متأخرة.
السيادة تُقاس بالقدرة على ضبط الأرض، ومنع تحويلها إلى منصّات تهديد للجوار.
وحين تفشل هذه القدرة، لا يمكن مطالبة الدولة المتضرّرة بالصمت الأبدي،
ولا تحميلها وزر فراغ لم تصنعه.
*ضربات سلاح الجو الأردني ليست ضد السوريين… بل ضد الفراغ
ما جرى لا يستهدف الشعب السوري، ولا يعادي سوريا كهوية أو كدولة…
بل يستهدف فراغا أمنيًا استقر، وشبكات أضرت بالسوريين قبل أن تعبر الحدود.
كثير من السوريين يدركون أن الجنوب تحوّل إلى مساحة سائبة،
وأن ثمن ذلك أرهق الجميع، لكن بصمت متفاوت.
أكرر:
ضربات سلاح الجوّ الأردني ليست تصعيدا… بل إعادة توازن
الأردن لم يفتح حربا، ولم يكسر قاعدة، ولم يخرج عن منطقه التاريخي.
بل أعاد رسم خط واضح:
– الأمن الوطني ليس ملفًا مؤجّلا
ولا مادة مساومة، ولا اختبار صبر مفتوح.
-وفي علم الدول، هذا لا يُسمّى تصعيدا،
بل نُضجًا استراتيجيا هادئا، وصل في لحظته الصحيحة.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة