لماذا آن الأوان لسحب البساط من الشعبوية وبناء أيديولوجية الدولة؟

بعد ثمانين عاما من الوهم

لماذا آن الأوان لسحب البساط من الشعبوية وبناء أيديولوجية الدولة؟

لم يكن بقاء الأردن طوال ثمانية عقود وسط إقليم متفجّر محض مصادفة تاريخية، ولا نتيجة ضعف الخصوم وحدهم، بل حصيلة خيار عميق اتخذه المجتمع قبل أن تتخذه النخب: خيار الدولة في مواجهة الوهم.

في لحظة ما، حين فشلت المشاريع الكبرى في أن تكون دولًا، وحين تحوّلت الشعارات إلى مقابر مفتوحة، اضطرت الأيديولوجيات – مكرهة لا مقتنعة – إلى الاعتراف بأن الدولة الوطنية هي الإطار الممكن الوحيد للحياة.

لكن هذا الاعتراف لم يكتمل…

فالدولة قُبلت بوصفها إدارة، لا بوصفها فكرة نهائية..

وهنا بدأ الخلل…

الشعبوية: حين تتحول القضايا الكبرى إلى طريق مختصر للسلطة ..

على امتداد التاريخ العربي الحديث، لم تكن الشعبوية مشروعًا لبناء الدول، بل آلية للاستيلاء على السلطة دون كلفة الدولة.

-حروب بلا حرب

-وأمّة بلا وحدة

-وتحرير بلا تحرّر.

قيل الكثير عن المعارك الكبرى، بينما كانت المعركة الحقيقية – معركة بناء الدولة – مؤجَّلة دائما.

وفي الفراغ بين الشعار والواقع، وُلدت الميليشيات، وتآكلت المجتمعات، وسقطت دول كانت أقدم وأغنى وأكبر من الأردن.

الشعبوية لم تُهزم لأنها كذبت، بل لأنها حين وصلت إلى السلطة لم تجد دولة تحكمها، ولا مجتمعًا متماسكًا يحتملها.

لماذا لم يتحول الأردن إلى ساحة؟

لأن المجتمع الأردني – بغريزته السياسية قبل وعيه النظري – رفض فكرة “الوطن المؤقت”….

لم يقبل أن يكون:

معبرًا لحروب الآخرين

أو مخزنا لشعاراتهم

أو مساحة اختبار لأوهامهم ..

*هذا الرفض لم يُكتب كنظرية، لكنه مورس كسلوك جماعي:

– في الانحياز للنظام العام

– في الخوف من الميليشيا

– في تقديم الاستقرار على المغامرة

– وفي حماية فكرة الدولة حتى حين انتُقدت السلطة.

وهذا ما أنقذ الأردن….

*أخطر ما أنتجته الشعبوية لم يكن الدمار فقط، بل خيبة جيل كامل…

جيل تربّى على وعود الصواريخ وعلى خطابات النصر المؤجّل،

وعلى فكرة أن التاريخ يُدار بالهتاف…

ثم اكتشف، في لحظة قاسية ..

أن كل تلك “المشاريع” كانت ملفات مؤجلة، وأن فتحها لأيام كان كافيا لانهيارها.

هذا الجيل لا يحتاج خطاب تعبئة جديد، بل يحتاج دولة تعمل:

– فرصة عمل

– أُفُقا واضحا

– وشعورا بأن مستقبله لا يُستثمر في معركة لن تقع.

بناء الدولة لا يتم بالشعارات الكبرى .. بل بتوزيع عادل للفرص داخل الجغرافيا.

حين تصبح معان في منطق الدولة مثل عمّان .. والكرك مثل إربد، وإربد مثل معان،

يتحوّل الوطن كله إلى مركز…

*التنمية هنا ليست سياسة اقتصادية فقط .. بل أداة تحصين وطني.

الدولة التي تخلق الأمل تُسقِط الشعبوية دون صدام….

الدين: حين يُعاد إلى مكانه الطبيعي ..

في المجتمعات المستقرة، الدين ليس مشروع حكم، بل مصدر أخلاق وضبط اجتماعي…

تحويله إلى أداة سلطة لا يرفعه، بل يُضعفه، ولا يخدم الدولة، بل يُقسّمها.

الدولة الوطنية لا تعادي الدين، لكنها ترفض أن يُستبدل الانتماء الوطني

بمعادلات الولاء والبراء …. أو بأحلام عابرة للحدود لا تملك أدوات الواقع.

*فلسطين: بين الحماية والتوظيف

أكبر أكذوبة شعبوية قيلت هي أن تدمير الدول يحمي القضايا…

الحقيقة أن القضية الفلسطينية لم تُصفَّ بسبب ضعف الخطاب، بل بسبب ضعف الدول.

الأردن القوي ليس بديلا عن فلسطين، بل حاجزا في وجه تصفيتها…

وكل محاولة لتحويله إلى ساحة .. تخدم المشروع الصهيوني أكثر مما تخدم فلسطين.

ليس عبثا أن أكثر من يفرح بضعف الدول العربية هو من يسعى لتصفية القضية دون أن يدفع ثمنها.

**اللحظة الراهنة تفرض خيارا واضحا:

إما الاستمرار في إعادة تدوير الوهم، أو الانتقال الواعي إلى أيديولوجية الدولة.

-ليس بالقمع

-ولا بالإقصاء

بل:

-بالبرنامج بدل الشعار

-بالمساءلة بدل التعبئة

– وبالصندوق بدل الضجيج

*الشعبوية تُهزم حين تُجفَّف بيئتها ..

لا حين تُضخَّم…

**الدولة كفكرة أخيرة:

الدولة الأردنية ليست محطة انتظار، ولا حلا مؤقتا، ولا تفصيلا في مشروع أكبر.

هي الفكرة الأخيرة الممكنة في هذا السياق التاريخي..

وحين لا تُعلَن الدولة كغاية نهائية، تبقى قابلة للاستبدال عند أول أزمة.

بعد ثمانين عاما من الوهم، آن الأوان أن ننتقل من إدارة الدولة إلى الإيمان بها.

الدولة التي لا تُؤدلج نفسها بوصفها الخيار الأخير عند مواطنيها، تترك الباب مفتوحا لعودة الوهم في كل جيل…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الخلاف مع السلطة شأن داخلي.. والاستقواء بالعدو إفلاس حضاري

ثمة لحظة كاشفة في تاريخ الأمم، لا تختبر فيها قوة الأنظمة بقدر ما تكشف معدن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *