التوكُّل على الله،، ليس جملة… بل مقام ..

أخطر ما أصاب المفاهيم الكبرى في وعينا الديني .. أنها تحوّلت من مقامات تُعاش

إلى عبارات تُقال…

التوكل، في أصله القرآني، ليس حالة لغوية، ولا شعار طمأنة يُرفع عند العجز،

ولا جملة تُقال بعد الفشل لتبرير التقصير.

التوكل في القرآن لم يأتِ بوصفه ادعاء .. بل جاء دائمًا بعد عزم،

وبعد سعي، وبعد تحمّل مسؤولية.

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾

العزم أولا

ثم التوكل….

أما أن نقف عند العجز

ونُلبسه ثوب التوكل

فهذا قلبٌ للمفهوم، لا سموٌّ به….

الفرق بين من يتوكل… ومن يقول إنه متوكل:

-القرآن لا يهتم كثيرا بما نقول عن أنفسنا بل بما نفعله حين نُختبر.

لم يقل: ويقولون نحن متوكلون

بل قال:

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾

كأن التوكل شرط إيمان، لا وصف حالة…

وفي موضع آخر:

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾

قالها من عمل، وخطّط، واجتهد، ثم نسب النتيجة لله…

التوكل الحق هو أن تعمل كأن الأمر بيدك، وتسلّم كأن الأمر كله بيد الله.

أما أن نُسقط الأسباب، ونُحمّل الغيب مسؤولية كسَلنا، فهذا ليس توكلا…

بل تواكلا مُزيّنا بالدين…

لماذا يُحبّ الناس التوكل اللفظي؟

لأن التوكل الحقيقي مُرهِق…

يتطلب:

-شجاعة القرار

-احتمال الخطأ

-الصبر على النتائج

والاعتراف بالتقصير إن فشلنا !

أما التوكل اللفظي .. فأمرٌ مُريح:

-يُعفينا من المحاسبة

-يُخفف وطأة الذنب

-ويمنحنا إحساسا زائفا بالسلام

*ولهذا كثر القائلون .. وقلّ السالكون.

التوكل لا يُعفيك من التفكير،،، فالله سبحانه لم يخلق عقلك عبثا،

ولم يأمرك أن تُغلقه باسم الإيمان…

بل ذمّ من قال:

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ ..

وسمّى ذلك غيابا للعقل، لا فضيلة في الاتّباع….

والنبي ﷺ وهو أكمل المتوكلين كان يخطط، ويأخذ بالأسباب، ويُغيّر المسار،

ويستشير، ويُعِدّ العدّة.

حتى الهجرة .. لم تكن قفزة غيبية، بل مسارا محسوبا بدقة بشرية عالية …

مُسنّدة بتسليم قلبي كامل لله ..

التوكل مقام نضج يا عزيزي .. لا يصل إليه:

-الكسالى

-ولا الهاربون من المسؤولية

-ولا من يطلب الطمأنينة بلا ثمن

-بل يصل إليه من فهم أن:

الله لا يعمل بدلا عنا

لكنّه لا يخذل من صدق معه.

-وأن السنن لا تُلغى بالدعاء

بل تُبارك به.

التوكل ليس أن تقول: “أنا مطمئن” بل أن تمضي رغم خوفك.

ليس أن ترفع يديك … بل أن تُحرّك قدميك أولا.

وليس أن تُعلّق فشلك على الغيب بل أن تُسلّم نتيجتك لله بعد أن تؤدي ما عليك كاملا.

ذلك هو التوكل الذي يُنقذ …

لا الذي يُخدّر.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الإرهاب مش شرط يكون إله لحية .. ومش بالضرورة يرتدي نقاب

ومش دايما حريص على غضّ البصر .. وليس من علاماته الحصرية أن يُتمتم بالاستغفار كُلّما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *