حين يُستدعى الحديث عن العالم قبل البعثة النبوية، غالبا ما يُختزل المشهد في صورة وثنية بدائية تعبد الحجر، وكأن الأزمة كانت في الصنم ذاته !
غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير…
الوثنية التي واجهها الوحي لم تكن مجرد تماثيل منصوبة، بل كانت بنية كاملة من الضلال:
-عبادة للقوة، تقديس للعصبية، شرعنة للظلم، وانفصال تام بين الإنسان وميزان المقصد الذي به يستقيم وجوده.
لم تكن المشكلة أن البشر لم يعرفوا الله بالاسم، بل أنهم فقدوا القدرة على الاستدلال عليه بالعقل، فتعطّل الوعي، وتشظّت القيم، وانكسر الإنسان من الداخل قبل أن يُستعبد في الخارج.
في ذلك السياق الغارق في الظلام، جاءت الرسالة لا كطقس ديني جديد، ولا كشعائر تُضاف إلى حياة قائمة، بل كزلزال أعاد تعريف الإنسان ذاته…
الأعوام الثلاثة والعشرون لم تكن معجزة زمنية بقدر ما كانت معجزة منهجية…
لم يبدأ النبي ﷺ بإسقاط أنظمة ولا بإعادة ترتيب موازين القوة المادية، بل بدأ بتحرير الإنسان من عبوديته لغير الله، ومن خضوعه للأهواء والعصبيات والخوف.
تحوّل الإنسان من تابع للقبيلة إلى صاحب رسالة، ومن كائن تحكمه الغريزة إلى كائن يحكمه المعنى، ومن منطق الغلبة إلى منطق المسؤولية.
سرّ تلك المرحلة لم يكن في قلة الإمكانات ولا في بساطة الوسائل، بل في وضوح المرجعية…
السؤال كان واضحا: لمن نعيش؟ ولماذا؟ وبأي ميزان نزن الأشياء؟
لذلك تحرّر العقل بدل أن يُلغى، واستعاد الضمير سلطته، وصارت القيم كونية لا انتقائية…
لم يكن النبي ﷺ مجرد مُبلّغٍ للوحي، بل قدوة حيّة، يُجسّد ما يقول، ويختصر الفجوة بين الفكرة والتطبيق…
ومع الفقر المادي، كان هناك غنى أخلاقي ويقين لا يتزعزع، وهو ما جعل التحوّل عميقا ومستداما.
المفارقة المؤلمة أننا اليوم، بعد قرون طويلة من هذا النور، لا نعيش وثنية الأصنام، بل وثنية أشد خطرا: وثنية الشكل، ووثنية الشعارات، ووثنية الصراع على الجزئيات…
لدينا نصوص بلا روح، وطقوس بلا أثر، وخطاب ديني منفصل عن المشروع الإنساني الذي جاء من أجله….
المشكلة لم تعد في غياب الدين، بل في تعطيل وظيفته الحضارية…
لم يعد الدين محرّكا للعدل والميزان، بل تحوّل عند كثيرين إلى هوية صراعية أو أداة استعراض أخلاقي….
الخلل الحقيقي في زماننا ليس قلة التديّن، بل انفصاله عن الوعي…
– نختلف على الفروع، وننسى الكليات، ونرفع الشعارات بينما نغفل المقاصد…
-نمارس صراعات مذهبية وشخصية في زمن تُهدد فيه الثوابت الكبرى،
وننشغل بالجزئيات فيما تُنهك الأمة في أصل وجودها…
قال أحد الصالحين: “إن الدين كله خُلُق”، بينما ما نشهده اليوم هو تضخم في الخطاب يقابله فقر في الأخلاق والمعنى.
لهذا فإن المقارنة بين الجاهلية الأولى وزمننا ليست في عدد الأصنام، بل في موقع العقل والضمير….
الجاهلية كانت صريحة في ضلالها، أما جاهليتنا المعاصرة فمُتخفية خلف ألف قناع: حداثة بلا معنى، أو تدين بلا وعي، أو شعارات بلا مسؤولية….
ولسنا اليوم بحاجة إلى أعوام أكثر ولا إلى استعادة شكل الماضي، بل إلى استعادة جوهر المنهج الذي صنع التحوّل الأول:
= بناء الإنسان من الداخل،
= وصل الوحي بالعقل،
= وربط الإيمان بالمسؤولية،
=وإعادة الاعتبار للسؤال المؤلم: لماذا نؤمن، لا كيف نبدو مؤمنين؟
الآية التي تقول “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ” ليست وعظا أخلاقيا، بل قانون تاريخ…
الأعوام الثلاثة والعشرون لم تُغيّر العالم لأنها قصيرة، بل لأنها صادقة في مشروعها…
والنور الذي أُشعِلَ آنذاك لم ينطفئ، لكن العيون هي التي أُغلقت…
وما لم نُصلح الخلل في الداخل، فلن تُنقذنا كثرة الشعارات، ولا صخب الخطاب، ولا ادّعاء الوراثة الحضارية…
فالمشكلة لم تكن يوما في قلة الدين، بل في غياب المعنى الذي من أجله جاء.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة