ليس كل من مشى على قدمين يُعدّ رجلا، وليس كل من سكن بيتا يعرف معنى الدار،
وليس كل من أُعطي أمانة كان أهلا لها.
أن تُسلِّم ضيفك لعدوّه، وأنت تعلم يقينا أن نهايته القتل، فذلك ليس خوفا، ولا حنكة، ولا سياسة، ولا بطولة، ولا شجاعة، بل نذالة صافية، عارية من أي قناع.
لم يكن الفعل وليد إكراه، ولا نتيجة حصار، ولا ثمرة خداع.،،
بل كان اختيارا كاملا، واعيا، باردا،،، يعرف صاحبه تماما ما الذي يعنيه أن يُقال في ميزان العرب: فلان خان ضيفه !
وهذه وصمة لا يغسلها دم، ولا يمحوها ندم، ولا تُخففها أموال، ولا تُبررها روايات.
أهل الأصل، حين يدخل الضيف دارهم، يدخل في ذمتهم.
لا يُسأل عن اسمه، ولا عن رأيه، ولا عن تاريخه.
يُحمى وهو مختلف، ويُؤذي في سبيل حمايته إن لزم الأمر، كي لا يُقال يوما إن بيتا سُلّم منه من استجار به.
كانوا يقولون، ويعنون ما يقولون: ” الدار تُهدَم ولا يُسلَّم من استجار بها “
أما أن تُفتح الأبواب للغزاة، لا اقتحاما بل وشاية، وأن يُختصر معنى البيت في صفقة،
ومعنى الرجولة في نجاة رخيصة، فذلك خروج نهائي مُخزٍ من نسب المروءة،
ودخول واعٍ في سلالة العار.
أبناء صدام حسين عدي وقصي وحفيده مصطفى “عليهم رحمة الله جميعا “.. لم يُقتلوا غدرا في فراش، بل واجهوا حتى نفد العتاد ..
سبع ساعات من قتال غير متكافئ، كافية لتقول إن الموت، مهما اختلفنا حول أصحابه، كان أشرف من حياة بُنيت على غدر وخيانة.
أما مصطفى، الطفل الذي وُصف – بحق أو مبالغة – بالشجاعة، فقد قُتل حيث كان يجب أن يكون آمنا: في بيتٍ قال صاحبه إنه بيت ضيافة !
وأما عبد الصمد الحدوشي، العسكري، فقد مات وهو يؤدي ما فهمه شرفا: “البقاء مع من حُرِسوا حتى اخر رمق”
وحده صاحب القصر ظلّ حيّا وظلّ يُراقب المشهد كله !
في ميزان العرب، القصر لا يصنع شرفا، والعقود لا تصنع أصلا،
والنسب لا يُشترى بالادّعاء.
أهل المروءة تُهدَم بيوتهم ولا يُسلَّم ضيفهم…
وأهل النذالة تبقى بيوتهم قائمة… لكن أسماءهم تُهدَم إلى الأبد.
أما الفارق بين أهل الأصل وأهل السقوط، فهو أن الأولين يموتون واقفين لأنهم حفظوا العهد، والآخرين يعيشون طويلا، لكن أسماءهم تُذكر همسا، لا احتراما…
بل احتقارا.
في مثل هذا اليوم، ولا نكتب بدافع الفخر او الحنين، ولا دفاعا عن أشخاص،
ولا تبييضا لصفحات من أخطأوا، أو أجرموا، أو أساؤوا في مراحل كثيرة،
بل تثبيتا لحقيقة لا تتغيّر:
الخائن لا يصنع تاريخا، ولا ينجو من حكم المعنى، ومهما طال به العمر،
يبقى خارج سجل الرجال….
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة