لم تكن اللغة يومًا مجرد أداة للتواصل، إنما هي الوعاء الحي للفكر، والمرآة الصادقة للمسار العلمي والثقافي والحضاري، والأمم ترتبط بلغاتها ارتباط الجذور بالتربة، فإذا ما ضعفت اللغة تخلخل الوعي، وإذا غاب تاريخها تاهت الهوية.
وإيمانًا بأهمية اللغة العربية في حياة الأمة، انطلق مشروع «معجم الدوحة التاريخي للغة العربية»، ذلك المشروع الذي يتجاوز حدود البحوث اللغوية إلى كونه عملًا واعيًا في إعادة ربط الأمة باللغة التي تمثل عمودها الفقري.
معجم الدوحة التاريخي مشروع علمي حضاري غير مسبوق، يهدف إلى كتابة السيرة التاريخية لألفاظ اللغة ورصد تحولاتها الدلالية عبر العصور، ويتتبع الألفاظ منذ أقدم نصوصها الموثقة إلى عصرنا الحديث، يوثق استعمالاتها وسياقاتها الثقافية والحضارية، فهو لا يقف عند حدود تعريف الكلمة، بل يقدم سيرة حياتها منذ ولادتها، والتغيرات الطارئة عليها، من خلال منهج علمي صارم يعتمد على مدونات لغوية تشمل آلاف النصوص والحقول المعرفية، ويستند إلى التوثيق الزمني الدقيق، بما يجعله أرشيفًا حيًا للغة العربية.
معجم الدوحة ليس مصنفًا كبيرًا أو عملًا موسوعيًا قد فُرغ منه، وليس موقفا عابرًا يُحتفى من خلاله باليوم العالمي للغة العربية، إنما هو محطة فكرية وثقافية فارقة في تاريخ الأمة يرد للغة اعتبارها، ويخرجها من سجن اللحظة، يعيد لها تاريخها الحي، ويعيد فهمها غير منزوعة عن سياقها الزمني والثقافي، ويوقظ كذلك العقل اللغوي للأمة ويعيد ترتيب صلتها بالكلمة والنص والتراث.
معجم الدوحة ذو طبيعة جماعية في إنتاجه، إذ التقت عليه عقول وجهود نخبوية من عدة أقطار عربية تكاملت فيما بينها لتؤكد على حقيقة أن اللغة وطن جامع إذا ما تم التعامل معها بإخلاص وصدق وعزيمة، وجدان مشترك، يؤكد على إمكانية الاجتماع والالتفاف في مجالات أخرى وأخرى.
وعلى الرغم من أن الغرب سبقنا إلى المعاجم، إلا أن العربية تميزت في العمل المعجمي بأنها لم تغير جلدها ولم تتنكر لتراثها ولم تفقد روحها ولم تفرط في ذاكرتها، بل أدخلت تراثها وثقافتها في قلب البحث اللغوي الحديث.
المعجم ينظر إليه باعتباره منصة عابرة للتخصصات، وجسر معرفي يربط اللغة بالتاريخ والفكر والمجتمع، فالفيلسوف يستكشف من خلاله تطور المفاهيم المجردة، والمؤرخ يفهم من خلاله تحولات المفاهيم السياسية والاجتماعية، وعالم الاجتماع يقرأ من خلاله تبدل أنماط التفكير والتعبير.
وينظر إلى مشروع المعجم على أنه عمل من أعمال السيادة المعرفية بحكم أنه يمثل أداة تحليل اللغة وتوصيف مفاهيمها، فهو بذلك يدعم حماية خطابها الثقافي والفكري من التبعية، واستثمار على المدى البعيد في استقلال اللغة العربية.
المعجم ينهض بالقارئ العربي، إذ إن هذا القارئ لن يقف في التعاطي معه على حد التلقي للمعاني الجاهزة، بل يشارك في فهم وتشكل وتطور المعنى، ما يعزز القراءة النقدية الواعية، ويحل التفاعل محل التلقين العقيم.
وبما أن كثيرًا من دلالات اللغة سادت زمنًا طويلا لارتباطها بمصادر وحقب بعينها وتعرضت للهيمنة التأويلية، فإن معجم الدوحة التاريخي يخضع المعنى للتوثيق والاستعمال الفعلي ويخرجه من هذه الهيمنة، فيتحول من رأي إلى مسار.
معجم الدوحة يعطي البراهين على أن اللغة العربية لم تنقطع عن التلاقح الحضاري، حيث إنها تفاعلت مع العلوم والثقافات والحضارات الأخرى، ولكن دون أن تفقد هويتها، ليثبت للجميع أن العربية لم تكن عاجزة، وإنما العيب في غياب الوعي بتاريخها وآليات تطورها.
المُعجم يعزز من حضور العربية، سواء على صعيد أبنائها باستعادة الثقة فيها بأنها مواكبة لتطورات العصر، ويردم الهوة التي تكونت بين هذا الجيل ولغته لاعتقاده أنها عصية على الفهم، فيشعره أن لغته المعاصرة امتداد طبيعي لتاريخ طويل لا قطيعة معه، وذلك من خلال تتبع المعجم لتطورات الألفاظ.
وعالميًا بأن وضع اللغة العربية في مصاف اللغات الكبرى التي تمتلك معاجم تاريخية قوية كالإنجليزية والفرنسية، ويثبت قدرتها على الاستيعاب والتطور والتجدد.
هذا المعجم يحتوي تنوع اللهجات وتباين السياقات الثقافية بين بلدان الأمة، فيكشف الجذور المشتركة للألفاظ ويبين كيف تم التعبير عنها في مختلف العصور والأقاليم، فيكون فضاء لغويا واحدًا يمثل هوية جامعة للأمة، ويعزز الانتماء الحضاري، بما يعني أن هذا المشروع ليس مشروعًا محليًا، وإنما هو مشروع أمة أخرجته قطر للنور.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة