حين يضيع الاتجاه… كُن أنت البوصلة

ليس الاختلاف أن ترفع صوتك حين يصمت الجميع، ولا أن تُخالف لمجرّد المخالفة،

بل أن تمتلك ميزانا داخليا لا تهزّه العدوى، ولا تُغريه الجموع.

في الأزمنة التي تتشابه فيها الوجوه والعبارات والمواقف، يصبح الاستثناء مسؤولية،

ويغدو الثبات ضربا من الشجاعة النادرة.

-حين يسير الناس بدافع الخوف، كُن أنت من يمشي بدافع المعنى… والغاية النبيلة ..

-وحين تُدار الحياة بردّات الفعل، كُن صاحب الفعل الأول، لا الصدى.

قال ابن خلدون:

“إذا فسد الإنسان في قدرته على التمييز، صار تابعا لا فاعلا”

ونحن نعيش زمن التبعية المُقنّعة، حيث يختبئ العجز خلف الذرائع،

ويتخفّى الفراغ خلف الضجيج ..

-في عصرٍ تُقدَّس فيه السرعة، كُن أنت من يعرف متى يتأنّى…

وفي زمنٍ يُكافَأ فيه التسرُّع، كُن من يُحسن التقدير قبل القرار…

*ليس الوعي أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف ما الذي لا يجب أن تنجرف إليه.

-حين تتحوّل “الأنا” إلى دينٍ غير معلَن، ويُقاس الإنسان بقدر ما يملك لا بقدر ما يعطي… كُن أنت من يذكّر بأن القيمة تُستمدّ من الأثر، لا من العرض.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “قيمة كل امرئ ما يُحسن”..

وما أكثر من يُجيد الكلام، وما أقلّ من يُحسن الفعل.

-في زمن الفردانية القاسية، حيث كلٌّ منشغل بنجاته الخاصة، كُن أنت الجسر لا الجزيرة، والملاذ لا المتراس.

*حين يهرب الناس من المسؤولية باسم “السلامة”، تذكّر أن السلامة الحقيقية

هي أن لا تخون ما تعرف أنه حق…

-في زمن التبرير المُتقن، كُن أنت من يقول: “نعم، هذا صعب… لكنه واجب”

-وفي زمن تُزيَّن فيه الهشاشة على أنها صدق، كُن صلبا بلا قسوة،

ولطيفا بلا ضعف.

*ليست البساطة سذاجة، بل حكمة من أدرك أن التعقيد الزائد غالبا ما يُخفي عجزا عن الفهم….

-وحين يتنازع الناس على التفاصيل ويهملون الكُليات، كُن أنت من يعيد ترتيب الأولويات…

قال الغزالي:

“من اشتغل بالجزئيات عن الكليات، ضيّع الطريق”..

-في زمن الغرور المُقنّع بثقة زائفة، كُن التواضع الذي لا يُعلن نفسه،

بل يُرى في المواقف.

-وفي زمن تُبنى فيه الأبراج العالية بعيدا عن الناس، إنزل إلى الأرض،

واسمع، وافهم، وتألّم إذا لزم الأمر.

ليس القرب من الناس ضعفا، بل اختبارا حقيقيا للإنسانية…

-وفي عصر التنظير المُترف، حيث تُستهلك القضايا في الكلام،

كُن عمليا دون أن تفقد البصيرة، ولا تتحوّل إلى آلة بلا روح.

-وحين يختبئ الإحسان خلف الكاميرات، كُن الإحسان الذي لا يحتاج شاهدا،

ولا ينتظر تصفيقا.

قال النبي ﷺ:

“سبعة يظلهم الله في ظله…… ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه”…

-في زمن الوجود الافتراضي، حيث تُكتب المواقف ولا تُعاش، ليكن لك حضور على الأرض…يُغيّر شيئا حقيقيا نافعا ملموسا، ولو صغيرا.

– وحين يشيع اليأس، ويُقنعونك أن الخير صار شبه معدوم أو نادر ، كُن الدليل الحيّ على أنهم مخطئون….

*ليس المطلوب أن تكون بطلا في كل قصة .. بل أن لا تكون مُتفرّجا.

وفي زمن يخاف فيه الناس على أرزاقهم، تذكّر أن الرزق لا يُصان بالخضوع للباطل، ولا يُحفظ بالتخلّي عن الحق.

“ومن يتقِ الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب” ..

-إن ضاعت المعايير، كُن أنت المعيار.

وإن اختلطت الأصوات، كُن أنت الصوت الذي لا يخون نفسه.

ففي زمن الانكسار العام، لا تحتاج المعادلة إلى جموع غاضبة،

ولا إلى ضجيجٍ يملأ الفراغ…

يكفي إنسان واحد متّزن، يعرف أين يقف، ولماذا يقف، ولا يُساوم على المعنى حين تختلط الاتجاهات وتتضارب المفاهيم ..

إنسان واحد…

يُعيد التوازن لغرفة، فتستقيم الغرفة فتطمئنّ النفوس، وتصير الغرفة بيتا لا مأوى مؤقتا، والبيت نواة حارة ..

والحارة روح قرية

والقرية نَفَس مدينة

والمدينة ليست رقمًا عابرا في دفاتر الجغرافيا ..

بل سطرا حيّا في دفتر الكون .. يُكتَب بالعدل أو يُمحى بالفوضى…

هكذا تبدأ النجاة يا ابن العم ..

لا من الأعلى دفعةً واحدة، بل من الداخل …

من الإنسان ….

حين يستعيد ميزانه ..

فيستعيد العالم شيئا من اتّزانه.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

حين تكون الحدود بداية العلاقة لا نهايتها

كثيرون يسيئون فهم الحدود، فيظنونها قسوة، أو انسحابا، أو نقصا في المحبة… والحقيقة أعمق من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *