لا مدينة كاملة… ولا إنسان كامل… بل جمال يتوزع بيننا

كلما تقدمتُ في العمر اكتشفتُ أن الله لم يضع الجمال كله في بلد واحد، ولا الحكمة كلها في شعب واحد، ولا الفضائل كلها في أمة واحدة….

بل وزّعها كما توزع الأم أبناءها حول المائدة….

أعطى هذا شيئا…

وأعطى ذاك شيئا آخر…

ثم ترك الإنسان يبحث عن بقية الصورة في وجوه الآخرين….

ففي الأردن مثلا ليس أجمل ما فيه جبال عجلون ولا زيتون السلط ولا حجارة الشوبك القديمة ولا قريتي كفرأبيل …

بل ذلك الشعور الخفي بأن باب الجار ما زال جزءا من بيتك، وأن فنجان القهوة قد يسبق الموعد، وأن الكرامة عند البسطاء أثمن من المال….

وفي مصر ربما لا يكون النيل أعظم ما فيها…

بل قدرة أهلها العجيبة على انتزاع النكتة من قلب الكارثة، والضحكة من بين أنياب الهم، وكأنهم يعلنون للحياة كل صباح أنهم ما زالوا هنا رغم كل شيء.

وفي الجزيرة العربية ليست الصحراء أعظم ما فيها…

بل ذلك الوفاء النادر الذي يجعل الرجل يحمل عهدا عمره عشرون سنة كأنه قيل بالأمس، وذلك الكرم الذي لا يزال يرى الضيف رزقا لا عِبئًا.

وفي الشام ليست البيوت العتيقة وحدها الجميلة…

بل تلك الحميمية التي تجعل الطعام لغة حب، وتجعل الأم تطعمك أكثر مما تطعم أبناءها لأنها تخشى أن تكون قد قصرت في حقك….

وفي تركيا ليست القصور والمساجد وحدها الآسرة…

بل احترام التفاصيل الصغيرة، والقطط التي تجد مكانا لها في قلب المدينة، والشاي الذي يتحول إلى دعوة صامتة للحوار بين الغرباء الذين لا يفهمون ما تقول..

وفي الخليج ليست الأبراج ولا الثروات وحدها ما يستحق التأمل…

بل ذلك الإصرار العجيب على تحويل الصحراء إلى عمران، والحلم إلى مشروع، والفكرة إلى واقع يراه الناس….

وفي المغرب العربي شيء آخر لا تخطئه العين…

ذلك الاعتزاز العميق بالهوية، والإصرار على الاحتفاظ بالنكهة الخاصة رغم قرون طويلة من التبدلات والعواصف.

أما أجمل ما في الأمة كلها… فليس النفط ولا الأنهار ولا الموانئ ولا الأسواق.

إنه ذلك الخير المبعثر في الناس…

ذلك الخير الذي لا تصنعه الحكومات ولا تكتبه القوانين…

أُمٌّ تُخبئ لابنها آخر قطعة خبز….أو بقية ما في القِدر من مرق…

وأب يعود مرهقًا لكنه يُرسل ابتسامة تشُقّ ظلام المساء…

وجار يطرق الباب وفي يده طبق طعام…

ومعلم يزرع في قلب طفل حلمًا جديدًا….

وشاب يؤجل راحته ليعيل أسرته….

وفتاة تدعو لأمها في آخر الليل….

هذا هو رأس المال الحقيقي للأمم…

ولهذا أخاف دائمًا من أولئك الذين لا يرون إلا الشر….

الذين يدخلون البلدان كما يدخل المفتش إلى مسرح جريمة….

فيحصون العيوب ويعدون الخسائر ويخرجون مقتنعين أن الدنيا لم يعد فيها ما يستحق الحب….

لقد رأيت ما يكفي لأعرف أن في كل أرض جرحًا…

لكن في كل أرض أيضًا زهرة….

وفي كل شعب خطأ…

لكن فيه كذلك خصلة نبيلة تستحق الاحترام.

كبرتُ لأُدرك أن في كل إنسان ظلاما ..

لكن الله ترك فيه نافذة صغيرة يدخل منها النور….

ولهذا لم أعد أبحث عن المدينة الكاملة….

ولا عن الوطن الكامل….

ولا عن الإنسان الكامل….

صرت أبحث عن الجُزئيّة الجميلة التي أودعها الله في كل مكان

في كُل أحد .. في كل صوت… في كل شيء..

وأجمعه في قلبي قطعة قطعة…

حتى لا أموت وأنا أظن أن العالم كان قبيحًا كله بالجُملة ..

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

الإعجاب مشروع… والانبهار خطر

أكثر ما يثير الدهشة ليس أن ينبهر الإنسان بمدينة جميلة، أو بشارع نظيف، أو بقطار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *