كل أمة في الأرض تكاد تتعامل مع تراثها وهويتها بوصفهما مصدر قوة ينبغي فهمه وتعزيزه وتطويره، إلا أن بعض المثقفين عندنا لا يرون في الإسلام إلا مشكلة تحتاج إلى إصلاح، أو نصًا يحتاج إلى إعادة كتابة، أو شريعة تحتاج إلى تقليص، أو يقينًا ينبغي إخضاعه لمحاكمات لا تنتهي.
لا يتوقف السؤال عند حق النقد، فالنقد سنة بشرية لا يعترض عليها عاقل، وإنما يبدأ عند الانتقائية.
لماذا تتجه سهام التفكيك دائمًا في اتجاه واحد؟
لماذا يصبح الإسلام وحده مشروعًا مفتوحًا لإعادة التعريف وإعادة التأويل وإعادة الهندسة الفكرية جيلاً بعد جيل؟
ولماذا يُطلب من المسلم باستمرار أن يراجع ثوابته، بينما تُعامل ثوابت الآخرين بوصفها جزءًا من هويتهم التي يجب احترامها؟
ثمة فرق كبير بين تجديد الفهم وتجريف الأصول.
وبين الاجتهاد في الفروع وإعادة التفاوض على المُسلّمات.
وبين معالجة الأخطاء البشرية التي وقعت باسم الدين، وبين تحويل الدين نفسه إلى متهم دائم يجلس في قفص الاتهام !!
إن أخطر المشروعات الفكرية ليست تلك التي تعلن الحرب على الدين صراحة، فهذه يسهل اكتشافها ومواجهتها.
الأخطر منها تلك التي تتحدث بلغة هادئة ومصطلحات براقة وعناوين جذابة، بينما تنقل مركز الثقل خطوة بعد خطوة من النص إلى المزاج، ومن المرجعية إلى الرأي، ومن الأحكام إلى التأويلات المفتوحة التي لا تقف عند حد.
وحين يستمر هذا المسار سنوات طويلة، لا يعود السؤال: ماذا بقي من الإسلام؟
بل يصبح السؤال: أي إسلام يراد للناس أن يعرفوه؟
إسلام يملك حق توجيه الحياة أم إسلام محصور في الوجدان؟
إسلام له مرجعية أم إسلام قابل للتشكيل بحسب التحولات السياسية والثقافية؟
إسلام يقدّم نفسه بوصفه وحيًا حاكمًا أم مجرد موروث ثقافي جميل؟
إن الأمم لا تفقد هويتها في لحظة واحدة، بل تفقدها حين تبدأ بالتشكيك المتواصل في أسسها حتى يصبح الثابت متغيرًا، والمتغير ثابتًا، ويغدو الدفاع عن الأصول تهمة، بينما يصبح الطعن فيها دليلًا على التنوير.
ولذلك فإن القضية ليست بذكر أسماء أشخاص أو بفتح باب الدفاع عن أشخاص أو مهاجمة أشخاص.
القضية هي الدفاع عن حق الأمة في أن تبقى متصلة بمصادرها الكبرى، وأن يكون التجديد فيها إحياءً للأصول لا استبدالًا لها، وبناءً عليها لا هدمًا لها، وفهمًا أعمق للنص لا إزاحةً للنص من موقعه.
فالأمم التي تتخلى عن مرجعياتها باسم الحداثة لا تصبح أكثر حداثة، بل أكثر قابلية للذوبان.
والأمم التي تفقد ثقتها بذاتها لا يعوضها إعجاب الآخرين بها.
أما الأمة التي تعرف من هي، وتعرف ما الذي تؤمن به، فهي وحدها القادرة على أن تتفاعل مع العصر دون أن تذوب فيه، وأن تتعلم من العالم دون أن تفقد نفسها..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة