الإعجاب مشروع… والانبهار خطر

أكثر ما يثير الدهشة ليس أن ينبهر الإنسان بمدينة جميلة، أو بشارع نظيف، أو بقطار يصل في موعده، أو بمؤسسة تحترم القانون…

بل أن يختزل حضارة كاملة في صورة تذكارية التقطها أثناء إجازة قصيرة !!

كثير من العرب والمسلمين يسافرون إلى الغرب فيرون الواجهة، لكنهم لا يرون المبنى كله….

– يرون الحدائق ولا يقرأون التاريخ….

– يرون ناطحات السحاب ولا يسألون عن المراحل الطويلة التي سبقتها….

– يرون المتاحف ولا يتساءلون كيف وصلت بعض الكنوز إليها…..

– يرون الحاضر المترف، لكنهم لا يلتفتون إلى القرون التي تشكل خلالها هذا الحاضر بكل ما حملته من حروب وصراعات واستعمار ومنافسة شرسة بين الأمم.

*المشكلة ليست في الإعجاب بالمنجز الإنساني….

فالقرآن الكريم نفسه يدعونا إلى السير في الأرض والنظر والتفكر والتعلم…

والمسلم لا يخاف من الاعتراف بفضل الآخرين في العلم والإدارة والتنظيم والعمل.

* المشكلة تبدأ حين يتحول الإعجاب إلى انبهار، والانبهار إلى تبعية، والتبعية إلى شعور دفين بالدونية….

– حين يقتنع الإنسان أن كل ما عند الآخرين عبقري، وأن كل ما عنده متخلف…

– حين يصبح مستعدًا لتقليد التفاصيل الصغيرة دون أن يفهم الأسباب الكبرى التي صنعت تلك التجارب.

فالحضارة ليست مطعما جميلا… ولا خدمة ضيوف عالية المستوى..

وليست شارعا نظيفا وليست بُرجا شاهقا وليست ابتسامة لطيفة في وجه شرطي المرور ..

* الحضارة في جوهرها منظومة كاملة من القيم والعمل والانضباط والعلم والمؤسسات والقدرة على النقد الذاتي واحترام الوقت وتقديس الكفاءة….

ولهذا فإن من يسافر إلى الغرب بعين الباحث يعود بأسئلة…

أما من يسافر بعين المنبهر فيعود بصور…

*الأمم لا تنهض لأن أبناءها أحبوا مُدن الآخرين…. وجلدوا ذواتهم لأن مدنهم أقلّ نظافة وأكثر تلوُّثا أو لأن الشرطي فيها عصبي المزاج أو متعجرف..

بل تنهض حين يسألون أنفسهم سؤالا أصعب:

ما الذي جعل هؤلاء يصلون إلى هنا؟

ثم يبدأون ببناء أوطانهم بدل البكاء عليها….

ليس مطلوبا أن نكره الغرب.

وليس مطلوبا أن نُقدسه…

بل المطلوب أن ننظر إليه كما ننظر إلى أي تجربة بشرية أخرى:

– نتعلم من نجاحاتها، ونتجنب أخطاءها، ونحافظ في الوقت نفسه على هويتنا وثقتنا بأنفسنا.

فالإنسان الذي يفقد هويته وهو معجب بالآخرين لن يبني شيئا ..

والإنسان الذي يرفض التعلم من الآخرين بدافع الكبر لن يبني شيئًا أيضًا.

أما الأمة الواثقة بنفسها فهي التي تستطيع أن تقول:

نعم، نتعلم من العالم كله… لكننا لا نركع إلا لله.

ونستفيد من تجارب الأمم… لكننا لا نذوب فيها.

ونحترم إنجاز الآخرين… دون أن نحتقر أنفسنا…

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

العالم ليس واحدًا… نحن نعيش في تفسيراتنا له

إذا كنا نقبل أن للناس أذواقا مختلفة، ومشاعر مختلفة، ومُيولا مختلفة، فلماذا نستغرب أن تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *