إذا كنا نقبل أن للناس أذواقا مختلفة، ومشاعر مختلفة، ومُيولا مختلفة، فلماذا نستغرب أن تكون لهم عقول مختلفة أيضا؟!!
فالناس لا يختلفون فقط فيما يحبون ويكرهون….
بل يختلفون في الطريقة التي يرون بها العالم …
شخص ينظر إلى البحر فيرى المغامرة…. وآخر ينظر إليه فيرى الغرق….
شخص يرى في الصمت حكمة…. وآخر يراه برودا وتعجرُفا…
شخص يرى في المخاطرة فرصة….وآخر يراها تهوُّرا…
شخص يرى في السفر حرية… وآخر يراه اقتلاعا من الجذور…
شخص يرى في الزواج سكنا واستقرارا… وآخر يراه مسؤولية ثقيلة.
شخص يرى في المال أداة… وآخر يراه غاية…
شخص يرى في الشهرة نجاحا… وآخر يراها سجنا من ذهب لامع ..
شخص يرى في الاعتذار نُبلًا… وآخر يراه ضعفا ..
شخص يرى في التسامح قوة… وآخر يراه استسلاما.
شخص يرى في الحذر فطنة.. وآخر يراه جُبنا…
شخص يرى في الصراحة صدقا .. وآخر يراها قسوة…
شخص يرى في الطموح وقودا للحياة… وآخر يراه جشعا لا يشبع.
شخص يرى في الطفل مشروع مستقبل… وآخر يراه عبئا إضافيّا.
شخص يرى في الشيخوخة نضجا… وآخر يراها بداية النهاية ..
شخص يرى في المطر بشارة… وآخر يراه طينا وزحاما.
شخص يرى في الفشل درسا… وآخر يراه سقوطا لا قيامة له بعده…
شخص يرى في النقد فرصة للنمو… وآخر يراه إهانة.
شخص يرى في التغيير حياة… وآخر يراه تهديدا.
شخص يرى في المنصب تكليفا… وآخر يراه تشريفا.
شخص ينظر إلى الجبل فيرى عائقا… وآخر ينظر إلى الجبل نفسه فيرى قمة…
شخص ينظر إلى النُدبة في جسده فيرى وجعا قديما… وآخر ينظر إليها فيرى قصة نجاة….
ولهذا لا يعيش البشر في العالم ذاته حقا…
نحن نعيش في تفسيراتنا للعالم أكثر مما نعيش في العالم نفسه…
فالحدث الواحد قد يكون عند إنسان كارثة، وعند آخر فرصة، وعند ثالث مجرد تفصيل يوميّ حياتيّ عابر لا يستحق الالتفات…
ولعل أعظم مظاهر الحكمة أن يدرك الإنسان أن اختلاف الناس ليس فقط في ما يحبون ويكرهون…بل في العيون التي ينظرون بها إلى الأشياء ذاتها.
وليس أحدهما بالضرورة أكثر ذكاء من الآخر….
إنهما فقط ينظران من نافذتين أو من زاويتين مختلفتين إلى المشهد نفسه….
ومع ذلك، فإن البشر يتسامحون مع اختلاف الأذواق أكثر مما يتسامحون مع اختلاف العقول…..
فإذا قلت: أحب القهوة…. قالوا: ذوقك…
وإذا قلت: أحب الشتاء…. قالوا: تفضيلك الشخصي…
أما إذا قلت: أرى العالم بطريقة مختلفة أو: أفسر الأحداث حولي بصورة مختلفة عما تُفسرون أو ترون.. أو: توصّلت إلى استنتاج مختلف….
فجأة يتحول الاختلاف إلى معركة….
وهنا تكمن واحدة من أكبر مفارقات الإنسان….
فنحن نولد بألوان عيون مختلفة، وأصوات مختلفة، وطباع مختلفة، وتجارب مختلفة، ثم نستغرب أن نصل إلى أفكار مختلفة !
كأننا نطلب من ألف طريق متباين أن ينتهي إلى الوجهة نفسها….
وقد أدرك الفيلسوف شوبنهاور هذه الفكرة حين قال ما معناه:
“كل إنسان يظن حدود رؤيته حدود العالم.”…
فالإنسان لا يرى الحقيقة مجردة، بل يراها من خلال تجاربه وخبراته وآلامه ومخاوفه وأحلامه….
ولهذا فإن أعظم علامات النضج الفكري ليست أن تجعل الجميع يفكرون مثلك…
بل أن تدرك أن اختلاف العقول ليس دليلا على فسادها….
فبعض الناس يختلفون معك لأنهم لم يفهموا….
وبعضهم يختلفون معك لأنهم فهموا شيئا آخر…
والفرق بين الحالتين هو الفرق بين الجهل والتنوُّع…
وربما السؤال الأجمل ليس: لماذا يفكر الناس بطريقة مختلفة؟
بل: لماذا نتوقع أصلا أن يفكر ثمانية مليارات إنسان على الكوكب بالطريقة نفسها؟!
فالكون الذي خلق الله فيه هذا القدر الهائل من التنوُّع في الوجوه والأصوات واللغات والطبائع، لم يكن من سُننه أن يخلق عقولا متطابقة….
ولو كانت العقول نُسخا متكررة من بعضها، لما كان هناك اكتشاف، ولا فلسفة، ولا أدب، ولا علم، ولا حضارة.
إن الحضارة نفسها ليست ثمرة الاتفاق الكامل…بل ثمرة الاختلاف الذي تَعلّم أصحابه كيف يتحاورون بدل أن يتقاتلوا..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة