لو أن الأمم تنهض بالدعاء المُجرّد لكانت أكثر الشعوب دعاء هي أكثرها تقدما.
ولو أن الأوطان تتحرر بالأمنيات أو بالدبكات أو بمهرجانات التنديد بجرائم العدوّ لما بقي محتل واحد على وجه الأرض.
ولو أن الخراب يهبط من السماء فجأة بلا أسباب، لكان التاريخ كله مجرد سلسلة من الصدف العمياء.
لكن الإنسان يُحب التفسيرات السهلة…!
فهي أقل إيلاما، وأقل إحراجا، وأقل كلفة من الوقوف أمام المرآة.
ولهذا ما إن تسقط أمة أو تضيع قضية أو ينهار وطن حتى يبدأ البحث المحموم عن تفسير يريح الضمير:
– مرة مؤامرة…. ومرة حظ عاثر. .. ومرة قسمة ونصيب..
ثم انتظار طويل لمعجزة تأتي من حيث لا نحتسب.
وكأن الكون يُدارُ على طريقة المُقامرين؛ يربح هذا فجأة ويخسر ذاك فجأة بلا سبب ولا سُنن.
مع أن القرآن كله يكاد يكون صرخة كبرى في وجه هذا الوهم…
* بعض الناس يقرأ قول الله تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾
فيظن أن مصائر الأمم تُقلب كما تُقلب ورقة في يد لاعب، وأن الحضارات تسقط فجأة بلا مقدمات، وأن الدول تقوم أو تزول بكلمة عابرة خارج السنن التي أقام الله عليها هذا الكون.
وهذا فهم لا ينسجم مع القرآن نفسه.
فالله سبحانه هو مالك الملك حقا، لكنه أيضا هو الذي جعل للكون سُننا لا تُحابي أحدا، ولا تستثني أمة من أمة، ولا مؤمنا من كافر.
ولهذا …
– لم تسقط الأندلس في صباح واحد…
– ولا ضاعت فلسطين في معركة واحدة.
– ولم يتحول العراق إلى ما وصل إليه بجرّة قلم أو بقرار واحد…
– ولم تصل سوريا إلى سنوات الدم والخراب بين ليلة وضحاها.
– ولم ينقسم السودان فجأة
– ولم يُنهك اليمن في شهر أو سنة.
– ولم يدخل لبنان دوامة الانهيار في لحظة خاطفة.
= بل سبقت ذلك مقدمات طويلة، وأخطاء متراكمة، وفرص ضائعة، وصراعات صغيرة أهملها الناس حتى تحوّلت إلى كوارث كبرى.
* إن التاريخ لا يعرف المفاجآت بقدر ما يعرف التراكمات…
فالزلزال لا يبدأ لحظة اهتزاز الأرض، بل منذ أول تصدُّع خفي في الأعماق…
والشجرة لا تسقط يوم سقوطها، بل يوم بدأت جذورها تضعف….
والأمم كذلك.
ولهذا رأى “أرنولد توينبي” أن الحضارات لا تُقتل غالبا من الخارج، بل تموت حين تعجز عن الاستجابة لتحدياتها الداخلية.
وقال ديورانت: “إن الحضارة نهر طويل من الجهود المتراكمة، فإذا توقف البناء بدأ الانهيار ولو لم يشعر الناس بذلك.”
– إن ضياع فلسطين لم يبدأ عام 1948، بل قبل ذلك بعقود طويلة من التراجع والضعف وسوء التقدير.
– وكذلك العراق وسوريا واليمن ولبنان والسودان، فكل جرح كبير في عالمنا الإسلامي سبقه تاريخ طويل من الأخطاء المؤجلة التي ظن أصحابها أنها بلا ثمن.
-وإذا كانت فلسطين قد دفعت ثمن قرن من التراجع، فإن العراق دفع ثمن عقود من الحروب والاستبداد والاحتلال والانقسام.
– وسوريا دفعت ثمن تراكمات سياسية واجتماعية وإقليمية امتدت لعشرات السنين.
– واليمن لم يصبح ساحة استنزاف لأن القدر أراد ذلك فجأة، بل لأن مقدمات الانقسام والصراع تراكمت حتى انفجرت.
– ولبنان لم ينهكه الانهيار المالي والسياسي بين ليلة وضحاها، بل عبر سنوات طويلة من اختلال الدولة وتضارب الولاءات وتآكل المؤسسات.
– والسودان لم يستيقظ ذات صباح ليجد نفسه ممزقا، بل وصل إلى ذلك عبر مسارات ممتدة من الصراع وسوء الإدارة والتنازع على السلطة.
بل حتى الأمم القوية اليوم لم تصل إلى ما هي عليه بضربة حظ…
– لم تصبح اليابان كما نراها اليوم ونقرأ عنها وننبهرُ بها.. في يوم واحد.
– ولم تتحول كوريا الجنوبية إلى قوة صناعية بمعجزة.
– ولم تبنِ الأمم الناجحة مؤسساتها واقتصاداتها وجامعاتها وجيوشها إلا بعد عقود من التخطيط والعمل والانضباط والتراكم.
– ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله أمة مهزومة ليس أن تخسر معركة، بل أن تخسر القدرة على فهم أسباب هزيمتها.
فالمقامر ينتظر ضربة حظ تعوض خسائره.
أما الأمم الحية فتسأل:
أين أخطأنا؟
ما الذي أوصلنا إلى هنا؟
ما السنن التي خالفناها؟
وما الذي يجب أن نفعله اليوم لكي نحصد بعد عشرين أو ثلاثين سنة نتائج مختلفة؟
إن القرآن الكريم العظيم لا يعلمنا انتظار المعجزات بقدر ما يعلمنا فهم السنن.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
هي آية تُسقط وهم الانتظار وتعيد الإنسان إلى مسؤوليته.
فالنصر ليس حدثا عشوائيا…
والنهضة ليست صدفة…
والتحرير ليس أمنية…
والتاريخ لا يكافئ الأحلام، بل يكافئ الأعمال….
ولهذا فإن الطريق إلى استعادة ما ضاع لا يبدأ بالشعارات أو الدبكات او اتهام الناس بالعمالة والصهينة لمُجرد أنهم يخالفون أسلوبك وطريقتكَ في الغضب او التنديد، بل بالمراجعة…
استعادة ما ضاع لا يبدأ بالخطابات الحماسية في الميادين، بل بالنقد الصادق.
ولا يبدأ بلعن الظلام وشتم الحُكّام واتهام شعوب كاملة بالعمالة والجُبن، بل ببناء مصباح بأدوات محليّة الصُنع يحمي الشُعلة (أي شعلة) من الريح …
إن الأمة التي تريد استعادة فلسطين، أو إنقاذ السودان، أو استقرار سوريا، أو نهضة العراق، أو تعافي اليمن، أو خروج لبنان من أزمته، أو حماية أي بلد من بلدانها من المصير نفسه، لا بد أن تفتش أولا في أسباب مصابها قبل أن تتحدث عن أسباب خلاصها.
فالنتائج ليست سوى أبناء شرعيين للمقدمات….
ومن زرع أسباب القوة حصد قوة..
ومن زرع أسباب العلم حصد علما…
ومن زرع أسباب الوحدة حصد استقرارا…
ومن زرع أسباب العدل حصد أمنا….
ومن زرع أسباب الفرقة والتنازع والتخلف فلن يحصد إلا ما زرع….
وهذه هي السنة التي لم تتبدل منذ خلق الله الأرض ومن عليها….
ولهذا لا تسقط الأمم فجأة…
ولا تنهض فجأة…
وإنما تسير نحو مصيرها خطوة بعد خطوة، حتى إذا جاءت النتيجة ظن الناس أنها كانت قدرا مفاجئا، وما كانت إلا حصاد أعوام طويلة من العمل أو الإهمال.
والله غالب على أمره .. ولكن أكثر الناس لا يعلمون ..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة