بن غفير رجل الأزمات…هل يكون وريثًا لنتنياهو؟

على الرغم من أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو قد هيمن على الحياة العامة على مدى عقود في الداخل الإسرائيلي، وعلى الرغم من نجاحه في احتواء معظم المنافسين داخل اليمين وتقديم نفسه باعتباره القائد القادر على الجمع بين الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، إلا أنه يجد نفسه في الوقت الحالي داخل مناخ يتنامى فيه التفكير بمرحلة ما بعد نتنياهو، سواء كانت بطريق الاستحقاقات الانتخابية، أو بطريق العزل السياسي، خاصة بعد سياساته التي أضرت بمصالح الجماهير والمؤسسات الإسرائيلية.

من ثم كان من الطبيعي أن تبرز أسماء مرشحة لوراثة بيبي – كما يطلقون عليه في الداخل الإسرائيلي- أبرزها قطعًا ذلك اليميني المتشدد الذي يوصف بأنه رجل الأزمات، إيتمار بن غفير الذي يشغل حاليا منصب وزير الأمن القومي.

بن غفير أصبح أكثر الشخصيات الرسمية التي تسلط عليها الأضواء في الآونة الأخيرة، فهو الذي لا يكف عن القيام بسلوكيات تجد لها صدى قويا لدى قطاعات المتدينين والمستوطنين وكل المتمردين على الشخصيات الصهيونية التقليدية، فهو حاضر في كل فاعلية في شوارع القدس ضمن مخطط التهويد، وصاحب الأعداد القياسية في اقتحامات الأقصى.

بن غفير كذلك قد جعل جهاز الأمن القومي الذي يترأسه ميلشيا داعمة للمستوطنين، ويعمل من خلالهم على ترويع السكان المقدسيين لإجلائهم من مناطقهم.

هو كذلك من تبنى مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، ويعمل على التسريع من إقرار حكم الإعدام بشأن ما لا يقل عن عشرة آلاف أسير فلسطيني، ومؤخرًا يعمل على الترويج لقانون منع رفع الأذان في المسجد الأقصى والقدس المحتل.

قبل سنوات، كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية تقدم بن غفير على أنه شخصية ناشطة تنتمي لأقصى اليمين، ويصعب تخيل وجوده في مواقع القرار الكبرى، لكن الأمور تغيرت كثيرًا بشأن هذا الرجل، حيث انتقل من هامش الحياة السياسية والحزبية إلى قلب السلطة ومركزها، وبات أحد أكثر السياسيين تأثيرًا في الداخل الإسرائيلي، وليس مطروحًا مناقشة خروجه من السلطة، بل أصبح الحديث عن مدى إمكانية توليه السلطة.

هذا السيناريو لم يعد مستحيلًا كما كان الكلام يدور في السابق عن هذه الشخصية المتطرفة الصدامية، فلقد أصبح صعود بن غفير على قمة الهرم السياسي جزءًا من مسار أوسع قد تتجه إليه إسرائيل وهو انتقال مركز الثقل السياسي برمته إلى اليمين القومي والديني.

سيناريو ترأس بن غفير للسلطة محتمل، وذلك بسبب التحولات الاجتماعية والسياسية في الداخل الإسرائيلي، والذي تنامت فيه قوة التيارات القومية والدينية، وتعاظم فيه تأثير المستوطنين، وتصدر الخطاب الأمني المشهد أكثر من أي وقت مضى. وهذه التحولات قطعًا تصب في مصلحة بن غفير لأنها تمنحه قاعدة اجتماعية أوسع مما كان للشخصيات اليمينية السابقة.

ويعزز من الاحتمال، تبنّي بن غفير خطابًا شعبويًا ولغة صدامية مباشرة، وأنه يقدم نفسه باعتباره سياسيا قريبًا من الشارع ولا يخضع للحسابات التقليدية، وهذا الأسلوب قد أثبت جدواه في العديد من التجارب السياسية.

بن غفير يملك القدرة على توجيه المزاج السياسي للشارع اليميني، لأنه يبث رسائل واضحة ومباشرة ترتبط بالأمن والهوية الدينية والقومية، وهي عناصر تحتل مكانة مركزية في الوعي السياسي الإسرائيلي، واستطاع أن يبني لنفسه صورة السياسي الذي لا تثنيه الضغوط ولا يستجيب لدواعي البراجماتية، وهي صورة جاذبة لقطاعات واسعة من الجماهير خاصة الشباب المتدينين المتحمسين والمستوطنين وكل الفئات التي ترى أن دولة الاحتلال تواجه تحديات وجودية تحتاج إلى قيادة أكثر حزمًا وصرامة.

وعلى الرغم من وجود مقومات داعمة لهذا الاحتمال، فهناك أيضًا عقبات تقف في طريق بن غفير إلى رأس السلطة خلفًا لنتنياهو، فعلى الرغم من التحول الاجتماعي السياسي الذي أدى إلى تعاظم نفوذ اليمين، إلا أن هناك قوى سياسية ومدنية وأكاديمية وإعلامية وحزبية أخرى تنظر بقلق إلى صعود بن غفير، وهناك قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والنخب الاقتصادية والأمنية تفضل شخصيات أقل صدامية وأكثر براغماتية، ومن ثم سيكون على بن غفير إقناع هذه الشرائح بأنه رجل دولة وليس مجرد سياسي شعبوي احتجاجي، وذلك لتوسيع قاعدته الانتخابية.

ولأن الحكومات تُبنى على ائتلافات معقدة تضم أحزابًا عدة، والنظام السياسي الإسرائيلي لا يسمح في الغالب بصعود شخصيات تعتمد على رصيدها الشعب فقط، فإن بن غفير يتهدده تهيب الأحزاب من الانضمام إلى حكومة تقودها شخصية صدامية حادة مثل بن غفير، يمكن أن يكون لها تداعيات خطرة في الداخل والخارج، فمن ثم سيجد صعوبة في جمع الشركاء لتشكيل حكومة مستقرة.

يبقى القول أن إحدى هذه العقبات المحتملة تتعلق بالمجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، والذي قد يمثل صعود رجل صدامي حاد ويميني متطرف مثل بن غفير إلى رأس السلطة ضغوطًا سياسية ودبلوماسية إضافية على الإدارة الأمريكية، والتي تلقى معارضة قوية في الداخل الأمريكي بسبب سياسة الدعم المفتوح للحكومة الإسرائيلية، وهذا بدوره ينعكس على بعض الفئات الناخبة في إسرائيل، والتي تخشى تأثر الدعم الأمريكي بسبب هذا التحول السياسي المرعب.

كلما اقترب بن غفير من حلم رئاسة السلطة سيجد نفسه مضطرًا لإعادة تشكيل صورته بما يناسب رجل الدولة، والتوازن بين المحافظة على صورته كرمز لليمين المتشدد، وتوسيع شرعيته بوصفه رأسًا للنظام، فهل سيستطيع؟

طريق بن غفير إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية ليس سهلًا في المرحلة الراهنة، لكن إذا تواصلت التحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الإسرائيلي وعزز اليمين من حضوره ونجح بن غفير في توسيع قاعدته خارج الجمهور التقليدي، فإن فرصته سوف تقوى في السنوات اللاحقة.

في حال صعود بن غفير إلى رأس السلطة، فإن ذلك يعني أن التحولات التي شهدتها إسرائيل ليست موجة سياسية مؤقتة، وأن التيار الديني والقومي سيأخذ دولة الاحتلال في اتجاه لا مجال فيه للتسوية مع العرب.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

هل تنهض الأمم بالدعاء فقط؟!

لو أن الأمم تنهض بالدعاء المُجرّد لكانت أكثر الشعوب دعاء هي أكثرها تقدما. ولو أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *