معركة الكرامة

لم تكن معركة الكرامة مجرد مواجهة عسكرية عادية في سجل الحروب، بل كانت لحظة فاصلة أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان العربي وأرضه، وبين الجندي وواجبه، وبين الهزيمة التي حاولت أن تُفرض… والإرادة التي رفضت أن تُكسَر….

في صباح الحادي والعشرين من آذار عام 1968، لم يكن الأردن يخوض معركة حدود، بل كان يخوض معركة معنى….

والمعنى الذي أقصده في كتاباتي كما عرّفناه سابقًا، ليس كلمة تُقال ولا فكرة تُشرح، بل هو تلك اللحظة التي يتجاوز فيها الإنسان خوفه، ويصير أكبر من جسده، وأبقى من عمره…

هو القرار الذي يُتخذ حين تتساوى كل الحسابات، ويبقى شيء واحد فقط يُرجّح الكفة: أن تبقى واقفًا… لأن السقوط ليس خيارًا..

المعنى هو أن تدرك، في لحظة الخطر، أن ما تدافع عنه ليس أرضًا فحسب، بل صورة نفسك أمام نفسك، وأن الهزيمة الحقيقية ليست أن تُهزم عسكريًا، بل أن تُقنع نفسك أن الهزيمة قدر.

هو أن يتحول الجندي من حامل سلاح إلى حامل رسالة، وأن تصبح الرصاصة موقفًا، لا مجرد فعل…

وأن يقف رجلٌ كخضر شكري يعقوب، لا يسأل: كم عددهم؟ ولا كم نملك؟ بل يسأل سؤالًا واحدًا فقط: أين يجب أن أكون الآن؟

المعنى هو أن تختار موقعك حين تتداخل الأصوات، وأن تثبت حين ينهار من حولك كل شيء، وأن تكتب حضورك في لحظةٍ كان يمكن أن تكون فيها غائبًا.

وفي معركة الكرامة، لم يكن المعنى فكرةً تُكتب بعد المعركة، بل كان يُصنع داخلها… في كل خطوة تقدم، في كل موقف ثبات، في كل شهيد قرر أن يترك الدنيا واقفًا، لا منسحبًا.

ولهذا، فإن الكرامة لم تكن معركة حدود، بل كانت معركة تعريف:

تعريف من نحن حين نُختبر… وماذا يبقى منا حين لا يبقى شيء.

فبعد نكسةٍ ثقيلة ظنّ معها العدو أن الروح قد انطفأت، جاءت الكرامة لتقول إن الأمم قد تتعثر… لكنها لا تموت….

لم تكن المعركة متكافئة في ميزان السلاح، لكنها كانت راجحة في ميزان الإرادة، لصالح أولئك الذين وقفوا على ضفة النهر، لا يدافعون عن ترابٍ فحسب، بل عن كرامة أمة بأكملها….

وهنا، لا تُقاس المعارك بعدد الدبابات، بل بصلابة الرجال….

ومن بين أولئك الرجال، يبرز اسم الشهيد خضر شكري يعقوب، لا كقصة تُروى، بل كلحظةٍ يتجلى فيها المعنى في أقصى صوره….

لم يكن خضر يعقوب يبحث عن بطولة، بل كان يؤدي واجبه، حتى ضاقت به الأرض بما رحبت…

نفدت الذخيرة، اشتد الحصار، ولم يبقَ معه إلا جهازٌ لاسلكي، وبعض أوراقٍ وخرائط اختار أن يُتلفها حتى لا تقع في يد العدو.

في تلك اللحظة، حيث ينكفئ كثيرون إلى غريزة البقاء…

اختار هو أن يرتقي إلى غريزة المعنى.

تواصل مع قيادته، لا ليطلب نجاة، بل ليطلب قصف موقعه.

لم يقل: أنقذوني…

بل قال: الهدف موقعي.

ثم نطق بالشهادة، لا ككلمة تُقال، بل كخاتمة موقف…

“أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله”…

ثم قالها كما تُقال حين تُحسم الحياة:

ارمِ… ارمِ… انتهى.

هنا، لم يعد الجندي يقاتل…

بل أصبح المعنى نفسه.

لم تكن تلك لحظة تضحية فقط، بل لحظة تعريف:

أن الإنسان قد يبلغ من صفائه، أن يختار موته… ليحيا ما يؤمن به.

فسقط جسدًا… وبقي موقفًا.

واختفى صوتُه… وبقي صداه في ذاكرة أمة.

في الكرامة، لم يكن النصر مجرد انسحاب عدو، بل كان استعادة ثقة…

ثقة الجندي بسلاحه، وثقة الشعب بجيشه، وثقة الأمة بأن في داخلها ما يكفي لتنهض من تحت الركام.

لقد قالت الكرامة كلمتها بوضوح:

إن الكرامة ليست شعارًا يُرفع، بل موقفًا يُدفع ثمنه…

وأن الأرض لا يحميها الكلام، بل أولئك الذين يقفون عليها حين تشتد اللحظة.

اليوم، ونحن نستحضر هذه الذكرى، لا نستحضرها لنبكي الماضي، بل لنفهم الحاضر…

فالأمم التي تنسى لحظات عزّها، تفقد قدرتها على صناعة مستقبلها.

والكرامة، في جوهرها، ليست حدثًا انتهى…

بل معنى يجب أن يبقى حيًا في كل جيل.

سلامٌ على شهداء الكرامة…

وسلامٌ على خضر شكري يعقوب، الذي لم يكن اسمه تفصيلاً في المعركة، بل كان جزءًا من معناها الأعمق.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

في السياسة، ما يُوقَّع في الغرف المُغلقة هو الذي يفضح ما قيل فوق المنابر…

هناك، حيث تُطفأ الأضواء وتغيب الجماهير … لا مكان للشعارات .. ولا وزن للهُتاف… بل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *