في ذكرى الثورة السورية…جيلٌ وُلد في قلب العاصفة

مع حلول الذكرى الخامسة عشرة على انطلاق الثورة السورية، وبعد التحولات الكبرى التي آلت إلى إسقاط وزوال نظام بشار الأسد الدكتاتوري الدموي وبداية عهد جديد في حياة السوريين، تبدو ذاكرة الثورة مكتظة بالحكايات الثقيلة، بيد أن أكثر الحكايات عمقًا وإيلامًا وربما أقدرها على تشكيل ملامح المستقبل، هي حكاية ذلك الجيل من الأطفال الذين لم يتعرفوا على وطنهم إلا وهو يحترق، ولم يفتحوا أعينهم إلا على صوت العاصفة.

هؤلاء الأطفال، أو بمعنى أدق هؤلاء الشباب الذين كانوا صغارًا وقت اندلاع الثورة أو ولدوا في ربوعها، ليسوا مجرد أرقامًا في ضحايا القمع، بل هم قلب القصة السورية ومرآتها الأكثر صدقا، في وجوههم تختصر المأسأة، وفي أعينهم يتصارع الخوف مع الأمل.

الحكاية تقول أن الجداريات ليست فقط حقلًا من حقول الفن التشكيلي، فهي أحيانًا تكون تكون وقود ثورة. كانت الجداريات حاضرة في ثورة الكرامة السورية، وعلى جدران مدرسة عتيقة، دونت أنامل الأطفال عبارات تعكس ذلك الاحتقان الشعبي المتراكم عبر عقود مثلت حقبة حكم آل الأسد: “الشعب يريد إسقاط النظام”، و “إجاك الدور يا دكتور”.

كانت هذه العبارات التي دونتها البراءة كفيلة بأن يُقتاد هؤلاء الأطفال إلى فرع الأمن السياسي في درعا، وتعرضوا للتعذيب البشع، وحينما خرج الأهالي للمطالبة بمعرفة مصيرة أبنائهم جاءهم الرد من الطغاة: عودوا وانسوا أبناءكم، وأنجبوا أطفالًا آخرين، فكانت تلك هي الشرارة التي أشعلت الجماهير.

في سوريا، وُلد آلاف الأطفال على أصوات القصف، وفي مستشفيات ميدانية، وفي خيام النزوح. كانت اللحظة الأولى في حياتهم مشبعة بالخطر، كأن القدر كتب عليهم أن يختبروا القسوة منذ النفس الأول.

كثير من هؤلاء لم تُسجَّل ولادتهم رسمياً، ولم يحصلوا على أوراق ثبوتية، ما جعلهم منذ البداية خارج الأطر القانونية، وتلك مفارقة قاسية: جيل كامل يبدأ حياته وهو محروم من أبسط حقوق الاعتراف.

يوميات هؤلاء الأطفال لم يكن فيها مساحة للعب واللهو والاكتشاف، بل أزيز الطائرات وأصوات القذائف ورائحة الدخان وصور الدمار والأطلال، ومشاهد فقد القريب والصاحب، كلها أصبحت جزءًا من الحياة اليومية.

لم يكن الخوف حدثاً طارئاً، بل حالة مستمرة، الطفل الذي يختبئ تحت الطاولة عند كل صوت مرتفع، أو الذي يميّز بين أنواع القذائف قبل أن يتعلم القراءة، هو طفل يعيش خارج الزمن الطبيعي للطفولة.

ومع مرور السنوات، لم يكن التأثير نفسياً فقط، بل تراكم ليشكّل طريقة كاملة في رؤية العالم: عالم غير آمن، غير مستقر، وقابل للانهيار في أي لحظة.

من أكثر ما تضرر خلال سنوات الثورة كان التعليم، مدارس دُمّرت، وأخرى تحولت إلى مراكز إيواء، ومعلمون غادروا أو فُقدوا، وفي ظل هذه الظروف، أصبح الوصول إلى التعليم تحدياً يومياً.

ومع ذلك، ظهرت مبادرات لافتة: مدارس في خيام، دروس في الأقبية، معلمون يدرّسون بوسائل بدائية، إصرار واضح على أن التعليم ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء.

لكن الحقيقة المؤلمة تبقى أن جيلاً كاملاً تعرض لانقطاعات تعليمية طويلة، ما سيترك آثاراً عميقة على مستقبله، وعلى قدرة البلاد نفسها على النهوض.

في مخيمات النزوح، وُلدت حياة جديدة، لكنها حياة بلا استقرار، فالخيمة التي كان يُفترض أن تكون حلاً مؤقتاً، تحولت إلى بيت لسنوات، فيها كبر الأطفال وهم يرون العالم من خلال حدود ضيقة بين صفوف الخيام.

ومع تفكك الكثير من الأسر وفقدان المعيل، اضطر العديد من الأطفال إلى دخول سوق العمل في سن مبكرة، ليس على سبيل الاختيار، وإنما ضرورة من أجل البقاء.

في الورش، في الشوارع، في الأعمال الشاقة، وجد هؤلاء الأطفال أنفسهم يتحملون مسؤوليات تفوق أعمارهم بكثير. هذه التجربة رغم قسوتها صقلتهم وأكسبتهم الصلابة، لكنها في الوقت نفسه سلبتهم جزءاً أساسياً من طفولتهم.

إذا كان الدمار المادي واضحاً للعيان، فإن الدمار النفسي كان أكثر خفاءً، لكنه لا يقل خطورة. كثير من الأطفال عانوا من آثار الصدمة: القلق، الكوابيس، فقدان الإحساس بالأمان.

ورغم كل ما سبق، فإن أكثر ما أثار الدهشة في قصة الأطفال السوريين هو قدرتهم على التكيف في أكثر البيئات قسوة، طفل يرسم على جدار مهدّم، آخر يحفظ دروسه تحت ضوء خافت، وثالث يحلم بأن يصبح طبيباً، هذه لم تكن مجرد تفاصيل عابرة، بل مؤشرات على طاقة كامنة هائلة.

واليوم بعد أن هدأت العاصفة، وبدأت مرحلة إعادة البناء، فلا مناص من أن يكون ذلك الجيل في صلب مشروع إعادة البناء، فهذا الجيل لا يحتاج فقط إلى التعويض النفسي والمادي، بل هو بحاجة إلى إتاحة الفرص، ليعيد تعريف نفسه، لا باعتبار أبنائه ضحايا، وإنما عناصر فاعلة في رسم مستقبل الوطن.

هذه الذاكرة التي عُبئت بالغدرات والفقد والدمار والحرمان لابد من إدارتها باقتدار، حتى تكون دافعا لبناء مستقبل واعد لا أن تتحول إلى عبء يعيد إنتاج الألم.

هذه الذاكرة ليس المطلوب محوها أو إنكارها، بل ينبغي أن تصاغ بحكمة وتتحول إلى منطلق للعطاء والبذل، ولا ينبغي النظر إلى هذا الجيل على أنه مجرد شاهد على الماضي، بل على أنه يكتب المستقبل، فلئن كانت الثورة قد كشفت عن صلابة الشعب السوري، فإن هذا الجيل تحديدًا هو الاختبار الحقيقي لتلك القوة.

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لم يكن الدم السوري بالنسبة لعلي لاريجاني -فوضى… بل “ملفًا”!!

ليست خطورة بعض الرجال فيما يقولون، بل فيما يُرجِّحون حين تتعادل الكفّتان. وهنا تحديدًا، تبدأ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *