الدولة تقوم على ثلاث دعائم لا رابعة لها:
القوة، والعدل، واليقظة.
القوة بلا عدل تتحول إلى بطش…. والعدل بلا قوة يتحول إلى أمنية…
واليقظة بلا قانون تتحول إلى فوضى….
أما حين تجتمع القوة المنضبطة بالعدل، ويُضرب على يد من يخون الوطن بالقانون لا بالهوى، فهنا تبدأ الدولة بمعناها الحقيقي.
مصطلح “الطابور الخامس” ليس شتيمة سياسية، بل مصطلح عسكري تاريخي. ظهر في الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936 حين قال أحد القادة إن لديه أربعة طوابير تحاصر مدريد، وخامسا داخلها…..
ومنذ ذلك الحين صار يُطلق على العناصر التي تعمل من داخل الدولة لخدمة عدو خارجي.
التاريخ مليء بأمثلة سقوط مدن بسبب من فتحوا الأبواب من الداخل قبل أن تُكسر من الخارج….
روما، بغداد، الأندلس…
لم تسقط فقط بقوة العدو، بل بضعف الداخل أو تواطؤه.
لكن هنا يجب أن نكون بالغَي الدقة.
ليس كل رأي مخالف “طابورا خامسا”.
وليس كل انفعال سياسي او تعاطُف خيانة…
الدولة القوية لا تخاف من الرأي، بل تخاف من الفعل الذي يمس أمنها وسيادتها.
حين تكون هناك دولة تمارس عداء صريحا أو قصفا مباشرا أو تهديدا لأرضٍ ما، فإن أي تعاون فعلي معها – معلوماتي، تنظيمي، مالي، أو تحريضي يؤدي إلى اضطراب أمني – يصبح مسألة قانون، لا مسألة نقاش.
الفرق بين التعبير عن رأي، وبين العمل لمصلحة جهة تعادي بلدك، هو الفرق بين السياسة والجريمة.
ومن يسأل: لماذا الحزم؟
فالجواب بسيط: لأن الدولة التي تتهاون مع الاختراق الحقيقي، تفتح الباب لزوالها.
لكن الحزم لا يعني التعميم، ولا يعني تحويل المجتمع إلى ساحات تخوين.
السخرية المؤلمة في المشهد أن بعض الناس يظن أن الوقوف مع دولة تقصف أرضه هو “موقف مبدئي”، وأن إدانة من يفعل ذلك “اصطفاف مع خصمه”…
وكأن الوطن تفصيل، وكأن السيادة وجهة نظر.
الوعي الوطني لا يُبنى على كراهية طائفة أو أصل، بل على فهم بسيط:
إذا استهدفت دولة أرضك، فالأولوية لأرضك.
وإذا هُدد أمنُك وأمن أهلك، فالحسم واجب، لكن عبر القانون.
ابن خلدون كتب أن الدول تضعف حين يكثر “المستظهرون بالأعداء”.
وهذا الاستظهار لا يكون دائمًا بالسلاح، بل أحيانًا بالخطاب الذي يبرر العدوان أو يزرع الفتنة.
الحزم مطلوب،
لكن ضمن دولة قانون.
الردع ضروري،
لكن دون ظلم.
فالدولة التي تضرب بيد من حديد خارج إطار العدل، تفقد مشروعيتها.
والدولة التي لا تضرب حين يُمس أمنها، تفقد هيبتها.
بين البطش والتراخي مساحة اسمها: السيادة المنضبطة بالقانون.
ومن لا يفهم هذا التوازن،
يطلب إما فوضى…
أو استبدادًا.
وكلاهما يقتل الدولة من الداخل.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة