المطالبة بالحقوق، ومحاسبة الفاسدين، والسعي إلى العدالة، لا تعني أن تتحول الشهية إلى هجوم أعمى على كل ما هو رسمي، ولا أن يصبح الكذب على الدولة بطولة، والتشكيك بكل ما هو حكومي فِطنة، والصراخ والإساءة أعلى درجات الوعي !
ليس كل من شتم هو الأصدق ..
ولا كل من صرخ هو الأقرب للعدل ..
ولا كل من حمل لافتة مُعارِضة صار أنقى ضميرا أو أصفى قلبا أو أنظف يدا.
هذه واحدة من أخطر الخدع التي ابتُلينا بها:
أن نُسقِط كل الشر على السلطة، ونمنح كل الفضيلة تلقائيا لمن يعارضها، حتى لو كان تافها، كاذبا، فارغا، أو تاجر شعارات….
كأن بعض الناس قرروا أن يصدقوا أن مجرد الوقوف في الضفة المقابلة يجعل الإنسان ملاكا أو نبيا، وأنه لو جلس هؤلاء مكان الدولة أو الملك، لانفتحت السماء ورودا وحلوى ومُكافآت، ولسالت الشوارع عدلا، وصارت الحياة فجأة أقل قسوة وأكثر رحمة…
وهذا – بكل بساطة – وَهْمٌ مُريح مُريح جدا، لكنه قاتل !
الشعوب التي سبقتنا إلى الهاوية لم تسقط لأن حكوماتها كانت فاسدة فقط، بل لأنها صفّقت للفُقاعات، ورفعت التافهين، ومنحت الميكروفون لمن لا مشروع له سوى الصراخ فوق المنابر والميادين أو كتابة منشورات غاضبة من غُرف المعيشة او المقاهي او حتى أثناء جلسات طويلة ( أجلّكم الله) في المراحيض !
تعلّموا من غيركم يا قوم …
كثيرون دفعوا الثمن نيابة عنكم، وتركوا لكم التجربة مكتوبة بالدم والخراب، فهل يُعقل أن نُصِرّ على تكرارها؟
الوعي ليس في رفع الصوت بالإساءة والتشكيك
ولا في سبّ الدولة أو أي رمز تابع للدولة أو الوظيفة العامّة
ولا في تقديس كل مُعارض لمجرد أنه معارض ويستخدم ألفاظا نابية ضدّ الحكومة وأهل السلطة والمال !
الوعي الحقيقي أن نُميّز بحكمة وأدب ..
أن نُحاسب الفاسد والظالم الذي ثبت فساده أو ظلمه بلا شماتة وقلّة مروءة ..
أن نطالب بالحقّ بلا تخريب وهمجية ..
أن نرفض الفساد دون أن نعبد الفوضى وننشر الإفتراءات والكذب باسم إحقاق الحق..
أما القفز مع الفقاعات، فهي مُتعة قصيرة العُمر …
سرعان ما تنفجر .. ويصحو أصحابها على ارتطامٍ موجع بالأرض.
استيقظوا يا قوم…
لكن لا تستيقظوا على صراخ الشارع وحده، بل على همس الضمير في أعماقكم.
ابحثوا عن حقوقكم في العمق، لا على السطح …
فالحقوق لا تُستعاد فقط من فم السلطة..
بل تُستخرج أولًا من داخل الإنسان:
من وعيه، من نزاهته، من شجاعته على محاسبة نفسه قبل أن يُمسك حجر الاتهام ليُلقي به سواه …
نحن بحاجة إلى تطهير… نعم ..
لكن ليس تطهير الساحات والوظائف الرسمية والقطاعات التي هي تحت سيطرة غيرنا وحسب.. بل تطهير دواخلنا نحن….
تطهيرها من الكذب الذي نُبرّره لأنفسنا ..
من النفاق الذي نمارسه ثم نلعنه ..
من الاستسهال الأخلاقي الذي يجعلنا نطالب بالعدل ونحن أول من يلتف عليه…
قال أحدهم : «أعظم معركة يخوضها الإنسان هي مع نفسه»،
وما أشبه حالنا اليوم بأمم ظنت أن العدو خارجها، فاكتشفت متأخرة أن الخراب كان يسكنها من الداخل.
لا يمكن لشعب أن يطالب بدولة عادلة وهو لا يحتمل العدالة في حياته اليومية:
في عمله ..
في علاقاته ..
في احترامه للقانون حين لا يراه أحد ..
وفي صدقه حين لا يخسر شيئًا بالكذب …
وفي بوست ينشره على الفيس بوك أو تعليق يكتبه بعد مقالة لم توافق ما يُريد ..
المسؤولية ليست شعارا جماعيا يُرفع، بل واجبا فرديا يُمارس…
مسؤولية أن تقول “لا” حين يجب أن تُقال بوضوح وثبات وبأدب والأخيرة هي الأهم ..
مسؤولية أن تصمت حين يكون الصمت أمانة لا جُبنا ..
وأن تميّز بين المعارضة التي تبني، والمعارضة التي تعيش على الحُطام وملء الفراغ والوهم .
علمنا التاريخ – من أثينا إلى روما، ومن بغداد إلى الأندلس – أن الدول لا تسقط فقط حين تفسد سلطاتها، بل حين يتآكل معنى العدل والجدوى في الناس…
حين يصبح الهتاف والتمجيد – للا شيء – أسهل من الفهم ..
والغضب أسهل من الإصلاح ..
والشتيمة أقصر طريق للشعور الزائف بالبطولة….
ابحثوا عن حقوقكم… نعم،
لكن لا تطلبوها عبر أدواتٍ أو أيدٍ مُلوثة بما تشتكون منه وتزعمون أنكم تحاربونه..
ولا تنتظروا خلاصا يأتيكم على أكتاف الفوضى ..
فالفوضى لا تُنجب عدلا، بل تُعيد إنتاج الظلم بأسماء جديدة…
ابدأوا من أنفسكم…. فالأوطان لا تُبنى من فوق فقط …
بل تُرمَّم من الداخل… إنسانا إنسانا.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة