في الأردن، طُرِدَ السفير الأمريكي من مجلس عزاء…
فانقسم الناس كعادتهم إلى فريقين:
– فريق استدعى “عادات العرب” وقال لا يُطرد الضيف ولا يُهان ..
– وفريق رفع الطرد إلى مرتبة البطولة، واحتفل به كأنه فتحٌ سياسي،
ثم حوّله – ككل شيء هذه الأيام – إلى ترند !
أما أنا “الكاتبة المُصابة بالوضوح” فلستُ فخورة بمن يرحّب بالسفير الأمريكي ويدعوه إلى مائدته كأنه من عظام الرقبة..
ولستُ فخورة – أيضا – بمن يطرده ليستثمر المشهد صورة، أو شعارا، أو لحظة تصفيق وتباهي….!
الحقيقة – بلا مجاملة تيارات، وبلا ركوب أمواج – أن الكرامة ليست استعراضا،
وأن السيادة لا تُقاس بحركات فجائية .. وأن الأدب لا يعني الخضوع..
كما أن الخشونة والقسوة في التعامُل لا تعني الشجاعة…
العرب لم يعرفوا يوما إذلال الضيف.. لكنهم – في الوقت نفسه – لم يكونوا شعبا يستعير كرامته من الانفعال…
الضيف يُكرَم حين يأتي بصفته ضيفا…
أما الممثل السياسي، فتعاملُه مسألة دولة، لا مزاج أفراد….
أمريكا ليست صديقا حميما، ولا عدوا أسطوريا للأردن….
هي دولة مصالح، تعرف كيف تضغط، وكيف تبتسم ..
وكيف تُعاقب دون أن ترفع صوتها….
ومن لا يفهم هذه اللغة، سيُخطئ دائما:
إما بالانبطاح باسم “الواقعية” ..
أو بالصراخ باسم “الكرامة”….
الكرامة الحقيقية لا تُبنى بإهانة شخص..
ولا بتلميع صورة… ولا بإحراج سفير دولة في عزاء….
تُبنى حين تقول الدولة “لا” في المكان الصحيح…
وبالطريقة الصحيحة..
وفي التوقيت الذي يخدم مصلحتها لا صورتها..
أما تحويل كل موقف إلى بطولة..
وكل تصرف إلى وسام شرف…
فهو مرض هذا العصر:
شعبوية تبحث عن تصفيق، لا عن نتيجة…
نريد أن نبدو أحرارا أكثر مما قد نكون أحرارا في الحقيقة….
نريد لقطة، لا سياسة…
نريد ترند، لا سيادة…..
الحرية لا تحتاج جمهورا يُصفّق “حدّ البكاء من شدّة الإعجاب” بالموقف الجريء الباحث – في أصله- عن تصفيق..
والسيادة لا تحتاج هتافا يُمجّد القول او الفعل (غير المعتاد) ..
والكرامة لا تحتاج إهانة أحد كي تثبت نفسها…
من حق الأردن أن يختلف مع أمريكا..
ومن واجبه أن يحمي مصالحه دون خضوع…
لكن من واجبه – أيضا – أن يحافظ على هيبة الدولة ..
لأن الهيبة لا تُجزّأ:
إن كسرتها اليوم بيدك… فلن يحميك أحد غدا حين تُكسر من الخارج.
لسنا مطالبين بأن نكون ودودين ،، ولا أن نكون شديدي الفظاظة ..
بل أن نكون أسياد قرارنا….
هذا هو الموقف الذي لا يُصفّق له الجميع .. ولا يُرضي كل التيارات،
لكنه – وحده – الذي يُشبه الدول لا الحشود….
والعزة لا تُقاس بالضجيج والاستعراض والترندات .،،
بل بالثبات والوقوف على أرض قيمية صُلبة..
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة