لماذا لا يمكن قراءة الحرب القادمة خارج سجل الدم ؟!
-في هذه المنطقة، لا تُقاس الحروب بحدودها الجغرافية، بل بارتداداتها…
حين تكون إيران طرفا، لا يعود السؤال: هل ستندلع الحرب؟
لذلك، فإن متابعة ما يجري في طهران اليوم ليست ترفا سياسيا، بل ضرورة وجودية لشعوب اعتادت أن تُستَخدم ساحاتها كرسائل، وجثثها كوسائط ضغط…
منذ حزيران 2025، لم يعد الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و*إسرائيل* من جهة أخرى، صراع ظلّ أو استنزاف أطراف…
الضربات التي طالت منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، وما سبقها من حرب الاثني عشر يوما، لم تكن انفجارا مفاجئا، بل إعلان انتقال إلى مرحلة جديدة:
” مرحلة الحسم التدريجي”…
هذه الحرب لم تبدأ في حزيران، بل تسارعت بعد السابع من أكتوبر، حين استُخدم الحدث لا لمعالجة جذور الصراع، بل كرافعة لإعادة هندسة الإقليم…
إسرائيل رأت فيه فرصة لتوسيع نفوذها، والولايات المتحدة وجدته مدخلًا لتخفيف عبء الشرق الأوسط مع الإبقاء على معادلة واحدة ثابتة: إسرائيل قوة مهيمنة، بلا خصم إقليمي مكافئ.
منذ وصول دونالد ترامب إلى السلطة، خرجت المواجهة مع إيران من منطقة الغموض….
لم تعد حرب وكلاء فقط، ولا رسائل متبادلة عبر أطراف ثالثة….
صارت مباشرة، أكثر قسوة، وأقل اكتراثا بالتوازنات التقليدية…
الفرق بين الإدارات الأمريكية لم يكن في الهدف، بل في الإيقاع:
إدارة تُراكم الضغط، وأخرى تريد إنهاء الملف.
وهنا يظهر عامل الاستعجال الإسرائيلي….
بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، إسقاط النظام الإيراني – أو كسره – ليس إنجازا استراتيجيا فقط، بل خلاص شخصي…
نصرٌ يعيد صياغة صورته، ويغلق ملفات داخلية ثقيلة، ويُقدَّم للرأي العام كإنجاز تاريخي يُنهي “الخطر الوجودي”…
حين تتقاطع الحاجة السياسية مع الرغبة العسكرية، يصبح القرار مسألة توقيت لا مبدأ.
لكن قراءة المشهد الإيراني من زاوية “الحرب القادمة” وحدها تبقى ناقصة، إن لم تُستدعَ الحقيقة الأثقل: إيران لا تدخل هذه اللحظة بوصفها ضحية بريئة، بل بوصفها نظاما راكم دما هائلا في المنطقة.
ففي سوريا، لم تكن إيران حليفا سياسيا فحسب، بل ذراع القتل الأكثر تنظيما. ميليشياتها شاركت في حصار المدن، وتجويع الأحياء، وتصفية المدنيين، تحت لافتة حماية نظام الأسد، فيما كانت البلاد تُفرَّغ من شعبها….
ملايين الضحايا لم يسقطوا عرضا، بل ضمن مشروع واضح:
” إبقاء دمشق داخل المدار الإيراني مهما كانت الكلفة البشرية”َ…
وفي العراق، تحوّلت الدولة إلى هيكل، والقرار إلى ميليشيا…
اغتيالات، ثقب جماجم أئمة المساجد السُنية، الذبح على الهوية السُنية، قمع انتفاضات، سحق أصوات وطنية طالبت بدولة لا تُدار من الخارج…
لم يكن ذلك انحرافا، بل سياسة: دولة ضعيفة تضمن نفوذا دائما.
أما اليمن، فكان المثال الأكثر فجاجة على تحويل “نصرة المستضعفين” إلى حرب مفتوحة…
دعم جماعة أو فصيل حوّل بلدا كاملا إلى ركام، وملايين إلى جوعى، مقابل ورقة ضغط إضافية في مفاوضات الإقليم.
وفي لبنان، اكتملت الصورة: دولة مخطوفة، سلاح خارج الشرعية، اقتصاد منهوب، معارضة تُخوَّن، وإعلام يُهدَّد….
كل ذلك باسم “المقاومة”، فيما القرار الوطني مُصادَر، والناس تُترك لانهيار شامل….
ولم يكتفِ العبث الإيراني بالدُول المنهكة بالحروب والانهيار، بل امتدّ – وبالمنهج ذاته – إلى دول عربية أكثر استقرارا، في محاولة دؤوبة لاختراق النسيج الداخلي، وزرع الشقاق، وتحويل الاختلافات الطبيعية إلى أدوات صراع…
في الكويت، والبحرين، والسعودية، لم يكن التدخل الإيراني دعما لقضايا عادلة، بل اشتغالا خبيثا على تفكيك الوعي، والتحريض الطائفي، واستثمار السذاجة السياسية لدى بعض الأفراد والجماعات، ممن جرى تحويلهم من مواطنين إلى أدوات، ومن أصحاب رأي إلى وقود لمشاريع لا يدركون نهاياتها…
لم تراهن طهران يوما على العقول الحرة، بل على القابلية للاستلاب….
على خطاب المظلومية حين يُفصل عن العقل، وعلى الغضب حين يُنتزع من سياقه الوطني….
هكذا تُدار مشاريع الاختراق: لا بالدبابات، بل بتعليق الوعي، وتغذية الوهم، وإقناع البعض بأنهم “مقاومة” وأنهم أصل حكاية الشرف، فيما هم في الحقيقة مجرد هوامش في مشروع أكبر منهم.
ولم يتوقف النظام الإيراني عند حدود الدول….
في الداخل، المشانق جزء من المشهد، والمعارضة تُقمع لا تُناقَش…
وفي الخارج، الملاحقة لا تقل قسوة….وكواتم الصوت بالمرصاد في رأس المُعارضين الهاربين..
المنفى لم يكن يومًا ضمانة…. ولن أنسى في نيسان عام 2017، اغتيل المعارض وصاحب قناة GEM سعيد كريميان في وضح النهار بمنطقة مسلك في إسطنبول… الذي لم يكن قائد ميليشيا ولا رجل سلاح…. كان صاحب شاشة ورأي….
فكان الرصاص رسالة النظام الدموي المُجرم في طهران..
من هنا، تبدو المفارقة:
النظام الذي يطالب اليوم العالم بالتعاطف، هو ذاته الذي صادر سيادة أربع دول، وقتل معارضي الداخل والخارج، وعلّق المشانق باسم التطهير ما بعد الثورة حينا وباسم حماية الداخل من العملاء والأجندات الخارجية كُلما برز صوت يُطالب بأبسط الحقوق ….
أي تعاطف يُطلب بلا مساءلة، يتحول إلى تواطؤ أخلاقي….
اليوم، نحن أمام فصل جديد من الحرب…..
ليست حربا واحدة، بل طبقات: استخبارات، سيبرانية، إعلامية، اقتصادية، وربما عسكرية….
السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستُضرب إيران؟ بل: ما الغاية من الضربة؟
إسقاط النظام؟ إضعافه؟ تفكيكه؟
كل سيناريو يفتح أبوابًا مختلفة، وبعضها لا يُغلق.
إيران تدرك أنها مستهدفة…… لكنها تدرك أيضا أن قدرتها على الرد تآكلت بعد تحجيم وكلائها….
ورقة مضيق هرمز لم تعد كما كانت….
التحولات في سوق الطاقة أضعفت هذا السلاح….
وما يتبقى حين تُسحب أوراق الردع، هو خيار أخير: توسيع النار….
وهنا تكمن الخطورة القصوى…..
الأنظمة حين تُحاصر ولا تجد مخرجا، لا تتصرف بتعقّل وتركيز، بل بعقل محشور في الزاوية….
والمنطقة، كما رأينا ذلك مرارا، هي أول من يدفع ثمن هذا النوع من الجنون السياسي.
لذلك، لا يمكن قراءة الحرب القادمة بوصفها مواجهة بين قوى كبرى فقط…
إنها لحظة محاسبة تاريخية لنظام استنفد رصيده الأخلاقي قبل أن يُستنزف عسكريا. والسؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة هو:
هل يُسمح لنظام بنى نفوذه على جثث الآخرين أن يلوّح اليوم بورقة الفوضى إذا مُسّ وجوده؟!
التاريخ لا يُسقِط الأنظمة لأنها ضعيفة فقط ..
بل لأنها تُفرغ معناها…
وتحوّل البقاء إلى غاية تبرّر كل شيء… حتى إحراق الإقليم بأكمله.
إحسان الفقيه زاوية إخبارية متجددة