النظام الإيراني: انفصال الدولة عن المجتمع واستمرار الآلة

لم تعد إيران اليوم تعيش لحظة “ثورة” بالمعنى الذي صُدّر للعالم عام 1979، ولا حتى لحظة “دولة” بالمعنى التقليدي الذي تُقاس به الدول:
-مؤسسات تخدم المجتمع،
-واقتصاد يراكم الاستقرار،
-وشرعية تتجدد عبر الرضا العام….

** إيران اليوم هي شيء آخر أكثر تعقيدا وأشد تشابُكا:
-منظومة حكم نجحت في تحويل الثورة إلى جهاز، وتحويل العقيدة إلى وظيفة، وتحويل الشعب إلى هامش داخل معادلة البقاء.

هذه ليست مبالغة لغوية، بل خلاصة منطق الخمينية حين اكتملت:
الخميني مات، لكن النظام الذي بناه لم يكن قائما على شخصه بقدر ما كان قائما على فكرة أخطر:
-أن “الشرعية” ليست عقدا بين الدولة والناس، بل تفويضا سماويا يمنح الحاكم حق البقاء حتى لو خسر المجتمع.

من هنا يبدأ فهم ما يحدث اليوم داخل إيران. …
فالمشهد الإيراني الراهن ليس مجرد احتجاجات متقطعة، ولا مجرد أزمة اقتصادية عادية ككثير من الأزمات الاقتصادية السابقة التي مرّت، ولا مجرد صراع أجيال بين شباب يريد الحياة ونظام يريد السيطرة…
إنه صراع بين شعب يتآكل داخليا من القهر وبين منظومة تتغذى على القهر…
وبين الطرفين تقف “الخمينية” كفكرة: ليست دينا، ولا سياسة فقط، بل صيغة حكم تعتبر المجتمع خطرا دائما يجب ترويضه، لا شريكا يجب خدمته.

الخمينية اليوم لم تعد تحتاج إلى خطاب ثوري صاخب كما في زمن الخميني…
لقد انتقلت إلى مرحلة أكثر ذكاء وأشد فتكا:
مرحلة “الإدارة الباردة”….
فـعليّ خامنئي ليس قائدًا ملهما ولا ثائرا كاريزميا، بل حارس توازن بين مراكز القوة الحقيقية: الحرس الثوري، الأجهزة الأمنية، الاقتصاد الموازي، شبكات النفوذ الإقليمي، والمؤسسة الدينية التي تحولت إلى غطاء لا إلى قيادة….
إن النظام في إيران لم يعد يدار عبر المنبر بقدر ما يدار عبر الشبكة:
شبكة مصالح، وسلاح، وامتيازات، وولاءات متشابكة.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: لماذا يغضب الإيرانيون؟
بل: كيف استطاع النظام أن يستمر رغم غضبهم؟
-الجواب: لأنه لم يعد يعتمد على رضاهم أصلا.. !

الدولة التي تعتمد على الرضا تخاف من الشعب…
أما الدولة التي تعتمد على الخوف، فتعتبر الشعب مادة خاما تُعاد صياغتها بالقوة.

وهنا تظهر الخمينية بصيغتها الحديثة:
نظام لا يبحث عن “الإقناع”، بل عن “الإنهاك”…
لا يريد أن يجعل الناس مؤمنين به، بل يريد أن يجعلهم عاجزين عن تغييره…
وهذا ما يفسر التبدل العميق في نفسية الشارع الإيراني:
الناس لم تعد تطلب تحسينات، بل صارت تسأل عن معنى الحياة داخل منظومة تعتبر الفرح خطرا، والمرأة مشروع فتنة، والحرية مؤامرة، والاقتصاد ملفّا ثانويا أمام قداسة البقاء….

لكن الأخطر من الداخل، هو أن الخمينية لم تبقَ محصورة داخل حدود إيران…
لقد تحولت إلى “تكنولوجيا نفوذ” قابلة للتصدير….
فإيران اليوم لا تحتاج أن تنتصر عسكريا لكي تُربك خصومها…
يكفيها أن تُبقي المنطقة في حالة نزف مستمر….
هذا هو جوهر الدور الذي أتقنته: إدارة الفوضى لا حسمها.

ولهذا فإن من يتابع ما يجري اليوم في الإقليم يلاحظ نمطا واحدا يتكرر بأسماء مختلفة:
ميليشيا بدل جيش،
وكيل بدل دولة،
صراع هوية بدل صراع مصالح،
واستنزاف طويل بدل مواجهة واضحة….
هذا النمط ليس ارتجالا، بل جزء من عقيدة سياسية صنعتها الخمينية ثم طوّرتها: تحويل كل ساحة إلى ورقة تفاوض، وكل جرح إلى مصدر نفوذ.

لكن هذا الدور نفسه صار يرتد على إيران من الداخل….
فحين تتحول الدولة إلى آلة توسع خارجي، يصبح الداخل مجرد خزان تمويل وصبر…
وحين يصبح “المشروع” أهم من الإنسان، يصبح الإنسان فائضا يمكن التضحية به…
لهذا يشعر الإيراني العادي اليوم أن بلاده تُدار من أجل شيء لا يراه:
حروب بعيدة،
نفوذ عابر ،
خطابات كبرى،
بينما هو يغرق في الغلاء والبطالة وانهيار العملة وتآكل الأمل.

إن إيران اليوم تعيش مفارقة قاسية:
النظام قوي لأنه مسلح ومتماسك أمنيا ..
لكنه هش لأنه منفصل عن المجتمع….
وكل نظام ينفصل عن المجتمع يربح الوقت… لكنه يخسر المستقبل.

هنا تتضح حقيقة الخمينية في لحظتها الراهنة:
ليست “ثورة مستمرة” كما تدّعي، بل سلطة مستمرة تبحث عن شرعية بأي ثمن. ولهذا ترفع شعار “المقاومة” في الخارج، بينما تمارس “الاحتواء” في الداخل. وتتبنى خطاب العدالة، بينما تُنتج طبقة محمية فوق القانون…
وتستدعي الدين لتبرير السياسة، ثم تُهين الدين حين تجعله عصا لا هداية !

الخمينية اليوم لم تعد مشروعا لتغيير إيران، بل مشروعا لتجميدها….
لم تعد تبحث عن بناء دولة، بل عن حماية منظومة. …
وكلما اشتد الضغط الداخلي، لجأت إلى القاعدة الأقدم في تاريخ الأنظمة العقائدية: تصدير الأزمة إلى الخارج، أو إشعال المعركة في مكان آخر، كي لا تُفتح المعركة في طهران.
وهنا نصل إلى الخلاصة التي لا يجب أن تُقال بخفة:
إيران ليست على وشك الانهيار السريع، لكنها ليست في حالة صعود تاريخي أيضًا. إنها في مرحلة “الثبات المريض”: دولة تتحرك خارجيًا كي لا تتفتت داخليًا، وتُنتج التوتر كي لا تواجه سؤال الشرعية، وتُطيل الصراع لأنها تخاف من لحظة السلام… فالسلام يفتح باب الحساب.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل يسقط النظام؟
بل: هل تنتهي وظيفة الخمينية؟
لأن الأنظمة العقائدية لا تسقط حين تُهزم فقط، بل حين تصبح غير مفيدة في ميزان المصالح الدولية والإقليمية، أو حين يعجز الداخل عن دفع فاتورة بقائها.

الخميني مات….صحيح ..
خامنئي يشيخ….. كما سيحدث لنا جميعا ..
لكن الخمينية، بوصفها جهازا ووظيفة، ما تزال تعمل… إلى أن يأتي يوم تُغلق فيه الملفات لا الأشخاص….

عن Ehssan Alfakeeh

شاهد أيضاً

لا خير في امرئ إذا خاصم فجر

من أخطر ما أصاب وَعينا الجمعي في هذا الزمن، أن السياسة لم تعد مساحة اختلاف، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *